ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣١١
بين الأدلة و اختلف الأصحاب فيما يتحقق إدراك الرّكعة فمعظمهم على أنه يتحقق بإدراك الإمام راكعا في الثّانية إليه ذهب الشّيخ في الخلاف و المرتضى و الفاضلان و جمهور المتأخرين
و ذهب المفيد في المقنعة و الشّيخ في النهاية و كتاب الحديث إلى أن المعتبر إدراك تكبيرة الرّكوع في الثّانية و الأقرب الأول لنا أن الجمعة تدرك بإدراك الرّكعة و يدرك الرّكعة بإدراك الإمام راكعا أما الأول فقد مر بيانه و أما الثّاني فيدل عليه ما رواه الصّدوق عن الحلبي في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه٧أنه قال إذا أدركت الإمام و قد ركع فكبرت قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدركت الرّكعة و إن رفع رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الرّكعة و رواه الكليني و الشّيخ عن الحلبي في الحسن بإبراهيم بن هاشم عنه٧بزيادة قوله و ركعت بعد قوله فكبّرت
و ما رواه الشّيخ عن سليمان بن خالد في الصّحيح و رواه الكليني بإسناد آخر عن سليمان في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه٧أنه قال في الرّجل إذا أدرك الإمام و هو راكع فكبر الرّجل و هو مقيم صلبه ثم ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الرّكعة و ما رواه الصّدوق عن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّٰه في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال إذا دخلت المسجد و الإمام راكع فظننت أنك إن مشيت إليه رفع رأسه قبل أن تدركه فكبر و اركع فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك فإذا قام فالحق بالصف و إذا جلس فاجلس مكانك فإذا قام فالحق بالصّف
و رواه الكليني و الشّيخ عنه بإسناد فيه عبد اللّٰه بن محمد بن عيسى و هو غير موثق في كتب الرّجال عن عبد الرّحمن عنه٧و رواه الشّيخ بإسناد صحيح عن عبد الرّحمن عنه٧و يؤيده ما رواه الشّيخ بإسناد فيه ضعف عن معاوية بن شريح عن أبي عبد اللّٰه٧أنه إذا جاء الرّجل مبادرا و الإمام راكع أجزأته تكبيرة لدخوله في الصّلاة و الرّكوع و عن جابر الجعفي قال قلت لأبي جعفر٧إني أؤم قوما فأركع فيدخل النّاس و أنا راكع فكم أنتظر قال ما أعجب ما تسأل عنه انتظر مثلي ركوعك فإن انقطعوا فارفع رأسك
و في الصّحيح عن صفوان عن أبي عثمان عن معلى بن خنيس عن أبي عبد اللّٰه٧قال إذا سبقك الإمام بركعة فأدركته و قد رفع رأسه فاسجد معه و لا تعتد بها و ما رواه الصّدوق بإسناد ضعيف عن أبي أسامة أنه سأل أبا عبد اللّٰه٧عن رجل انتهى إلى الإمام و هو راكع قال إذا كبر و أقام ثم ركع فقد أدرك و في الفقيه قال رجل لأبي جعفر٧إنّي أقام مسجد الحي فأركع بهم و أسمع خفقان نعالهم و أنا راكع فقال اصبر ركوعك و مثل ركوعك فإن انقطعوا و إلا فانتصب قائما
احتج الشّيخ في كتابي الحديث على القول الثّاني بما رواه عن محمد بن مسلم في الصّحيح عن أبي جعفر٧قال قال لي إن لم تدرك القوم قبل أن يكبر الإمام الرّكعة فلا يدخل معهم في تلك الرّكعة و عن محمد بن مسلم في الصّحيح عن أبي جعفر٧قال لا تعتد بالركعة الّتي لم تشهد تكبيرها مع الإمام و عن محمد بن مسلم في الصّحيح عن أبي جعفر٧قال إذا أدركت التّكبيرة قبل أن يركع الإمام فقد أدركت الصّلاة و روى الكليني بإسناد فيه محمد بن إسماعيل الرّاوي عن الفضل عن محمد بن مسلم قال قال أبو عبد اللّٰه٧إذا لم تدرك تكبيرة الرّكوع فلا تدخل في تلك الرّكعة و أول الشّيخ بعض الأخبار السّابقة بتأويل بعيد
و الجواب أن النّهي في الرّواية الأولى محمول على الكراهة و نفي الإعداد في الرّواية الثّانية محمول على نفي الاعتداد بها في الفضيلة و يكون الغرض التّحريص على كمال السّعي في عدم التّأخير و إنما حملنا على ذلك رعاية لقاعدة الجمع و إبقاء لأخبار الكثيرة على ظاهرها قال فإن هذه الأخبار الأصل فيها واحد و هو محمد بن مسلم بخلاف الأخبار الأول و مقتضى هذا الوجه في الجمع أن المكلف مخير في الصّورة المذكورة بين الدخول معهم في الصّلاة و عدمه و أن الأولى عدم الدخول معهم و هذا يجزي في غير صلاة الجمعة مما جاز للمكلف الإتيان بها جماعة و فرادى دون الجمعة على القول بوجوب الإتيان بها عينا كما اخترناه
و بالجملة الأخبار السّابقة الدالة على وجوب إدراك صلاة الجمعة المتحقق بالدخول معهم في الصّلاة في الصّورة المذكورة أخص مطلقا من الأخبار المذكورة و الخاص مقدم على العام
لا يقال يمكن الاستدلال على القول الثّاني بقوله٧في صحيحة الحلبي المتقدم إذا أدركت الإمام إلى آخر الخبر لأنا نقول يمكن الجمع بينها و بين الأخبار السّابقة بوجهين أحدهما العمل بظاهرها و تخصيص الحكم بالجمعة و إن كانت الرّكعة في غيرها تدرك بإدراك الإمام راكعا
الثّاني أن يحمل قوله و قد ركع على أنه قد رفع رأسه من الرّكوع و التّرجيح للثاني صونا للأخبار الكثيرة المعتضدة بالشهرة عن التّأويل و لقرب هذا التّأويل على أن إدراك الإمام قبل الرّكوع يشمل ما بعد تكبيرة الرّكوع فلا يوافق القول الثّاني و المعتبر على هذا القول اجتماعهما في حد الرّاكع و هل يقدح غير أخذ الإمام في الرّفع مع عدم مجاوزته حد الرّاكع فيه وجهان
و اعتبر المصنف في التّذكرة ذكر المأموم قبل رفع الإمام و مستنده غير معلوم و لو كبر و ركع ثم شك هل كان الإمام راكعا أو رافعا لم يعتد به و صلى الظّهر للشك في إدراك الجمعة فيبقى تحت العمدة و الاستناد إلى أن الأصل علم الرّفع فمع كونه ضعيفا معارض بأن الأصل عدم الإدراك و لو تيقن أن الوقت لا يتسع قل الواجب من الخطبتين و الرّكعتين فقيل لم تجب الجمعة و قيل تجب إن أدرك الخطبتين و مقدار ركعة و ذهب المصنف في النّهاية إلى وجوب الدخول في الصّلاة مع إدراك الخطبتين و تكبيرة الافتتاح و القول الوسط أقرب لعموم قوله٧من أدرك من الصّلاة ركعة
و لو انفض العدد في الأثناء أتم الجمعة يعني إذا حصل الشّروع في الصّلاة ثم انفض العدد وجب الإتمام جمعة و إن لم يبق إلا الإمام و هذا الحكم مشهور بين الأصحاب ذكره الشّيخ و من تأخر عنه قال الشّيخ لا نص لأصحابنا فيه و الّذي يقتضيه مذهبهم أنه لا يبطل الجمعة بعد الشّروع و حجّتهم على ذلك تحريم إبطال العمل و أن القدر الثّابت اشتراط صلاة الجمعة بالعدد في الابتداء لا الاستدامة و للعامة
هاهنا أقوال مختلفة منها اشتراط أن يكون الانفضاض من بعد الإتيان بركعة تامة لقوله٧من أدرك ركعة من الجماعة فليضف إليها أخرى و المصنف في التّذكرة نفى عن هذا القول البأس و هو ضعيف إذ لا دلالة في الخبر على المدعى و الظّاهر أن المعتبر في وجوب الإتمام حصول التّكبير من الإمام فلو انفض العدد بعد ذلك لم يقدح و لا يعتبر حصول التّكبير من العدد لانسحاب الدليل فيه و هو ظاهر المعتبر و غيره و ربما يفهم من بعض عباراتهم أن المعتبر حصول التّلبس من العدد المعتبر
و لو انفضوا قبل التّلبس بالصلاة سقطت الجمعة سقوطا مراعى بعدم عودهم و حصول من ينعقد به الجمعة سواء كان في أثناء الخطبة أو قبلها و لو عادوا بعد انقضائهم بنى الإمام على الخطبة و إن طال الفصل على الظّاهر لحصول الامتثال بالخطبة و عدم ثبوت اشتراط الموالاة و لو أتى غيرهم ممن لم يسمع الخطبة فالظاهر وجوب إعادة الخطبة من رأس
و يجب
تقديم الخطبتين على الصّلاة هذا مشهور بين الأصحاب و قال المصنف في المنتهى لا نعرف فيه مخالفا و استندوا فيه إلى فعل النّبي٦و الأئمّة٧و الصّحابة و التّابعين روى أبو مريم عن أبي جعفر٧قال سألته عن خطبة رسول اللّٰه٦أ قبل الصّلاة أو بعد فقال قبل الصّلاة ثم يصلي و يستفاد ذلك من صحيحة عبد اللّٰه بن سنان الآتية في المسألة الآتية لكن روى الصّدوق في الفقيه مرسلا عن الصّادق٧أول من قدم الخطبة على الصّلاة يوم الجمعة عثمان لأنه كان إذا صلى لم يقف النّاس على خطبته و يفرقوا و قالوا ما نصنع بمواعظه و هو لا يتعظ بها و قد أحدث ما أحدث فلما رأى ذلك قدم الخطبتين على الصّلاة و لعل لفظة الجمعة في هذه الرّواية سهو من النّاسخين بدل العيد
و يدل على رجحان تقديم الخطبتين صحيحة محمد بن مسلم الآتية في المسألة الآتية و رواية سماعة السّابقة عند تحقيق ما يعتبر في الخطبة و بالجملة لا شك في رجحانه و أما الوجوب و الاشتراط ففي إثباته إشكال إن لم يكن إجماعيا و يمكن الاستدلال عليه بأن اليقين بالبراءة من التّكليف الثّابت يتوقف عليه فيكون متعينا و فيه تأمّل
و يجب تأخيرهما عن الزّوال اختلف الأصحاب في وقت الخلاف فذهب المرتضى و ابن أبي عقيل و أبو الصّلاح إلى أن وقتهما بعد الزّوال فلا يجوز تقديمهما عليه و اختاره المصنف و نسبه في الذكرى إلى معظم الأصحاب
و قال الشّيخ في الخلاف يجوز أن يخطب عند وقوف الشّمس فإذا زالت صلى الفرض و قال في النهاية و المبسوط ينبغي للإمام إذا قرب من الزّوال أن يصعد المنبر و يأخذ في الخطبة بمقدار ما إذا خطب الخطبتين زالت الشّمس و إن زالت نزل فصلى بالناس و اختاره ابن البراج و ذهب ابن حمزة إلى وجوب صعود الإمام المنبر بمقدار ما إذا خطب زالت الشّمس و أن يخطب قبل الزّوال و الأقرب جواز إيقاع الخطبتين قبل الزّوال و هو