ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣٠٩
عن النّبي و الأئمّة : كثيرة دالة على إيجابها و الحث عليها
و يؤيده قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وجه التّأييد ما نقل من إجماع المفسرين على أن المراد من الذكر المأمور بالسّعي إليه في الآية صلاة الجمعة أو خطبتها فكل من يتناوله اسم الإيمان مأمور بالسعي إليها و الأمر للوجوب فالمستفاد من الآية وجوب السّعي لصلاة الجمعة عند حصول النّداء للصلاة المطلقة كما هو الغالب الشّائع تحققه عند الزّوال و متى ثبت السّعي عند تحقق النّداء وجب مطلقا و إن لم يتحقق النّداء للاتفاق على أن وجوب السّعي ليس مشروطا بحصول النّداء فالتعليق بالشرط المذكور في الآية منزل على الغالب في بلاد المسلمين من تحقق النّداء عند الزّوال و كأنه كني به عن الزّوال و فائدته التّأكيد في الأذان و لهذا أتى بلفظة إذا الدّالة على تحقق الوقوع و في الآية ضروب من التّأكيد لا يخفى على الماهر في صناعة المعاني و ما يتوهم من أن الأمر أعمّ من الإيجاب العيني و التّخييري و لا دلالة للعام على الخاص فكلام ضعيف لأن الأمر بالسعي يقتضي استحقاق الذم عند عدم الإتيان بالمأمور به على الخصوص كما هو مقتضى الأدلة الدّالة على أن الأمر للإيجاب و هذا معنى الإيجاب العيني فلا وجه لهذا التّوهم و إنما جعلنا الآية من المؤيدات دون الدّلائل إذ لقائل أن ينازع في دلالة الآية و يقول المشهور بين المحققين إن الخطابات القرآنية لا يشمل غير الموجودين في زمن الخطاب و إنما يعلم استواءهم للموجودين في زمن الخطاب في الحكم بدليل خارج من الإجماع و غيره
و على هذا فيجوز أن يكون الإيجاب بالنسبة إلى الموجودين في زمان الخطاب بناء على تحقق شرط الوجوب و هو الإمام الصّالح لإمامة الجمعة و لا يلزم وجوبه بالنسبة إلى غير الموجودين إيجابا مطلقا سواء تحقق الشّرط أم لا نعم صلاحيتها للتأييد غير منكر كما لا يخفى على المتدبر فإن قلت هذه الأخبار و إن كان لها دلالة على وجوب صلاة الجمعة من غير تقييد و لا فرق بين الأزمان إلا أن الإجماع المنقول ينافيه و الإجماع المنقول و إن لم يكن حجة إلا أنه يوجب الشّك في كون ظواهر الأخبار مرادا فلا يبقى الظّن بإرادة العموم منها فلا يستقيم الاستدلال بها على العموم قلت لم يبق الوثوق بنقل الإجماع المذكور بعد مخالفته للعبارات المنقولة من جماعة من أفاضل المتقدمين و نقل الإجماع المذكور لم يتفق إلا من المصنف و المدقق الشّيخ علي و المصنف كثيرا ما يتسامح في أمثال هذه الأمور
و أما الشّيخ علي فإن عادته متابعة المصنف و غيره فلا تعويل على نقله الإجماع و أما المحقق فليس كلامه بصريح في نقل الإجماع بل نسب الحكم المذكور سابقا إلى علمائنا و يجوز أن يكون مراده من العلماء المشاهير منهم و لعله نظر إلى ما يفهم من كلام الشّيخ و من تبعه في بادي النّظر و لم يبالغ في التّتبع فاتفق منه نسبة الحكم إلى علمائنا و وقوع المساهلة في بعض الأحيان ممن لم يكن معصوما غير عزيز و المصنف تبع المحقق كما هو عادته في أمثال هذه الأمور ثم تبعه الشّيخ علي
و أما الشّهيد فيظهر من كلامه أن الإجماع المذكور لم يثبت عنده كما يفهم من عبارته الآتية حيث نسب الإجماع إلى الفاضل من غير أن يحكم به و نقل القول بالوجوب العيني و بالجملة لا يحصل لي ظن بالإجماع المذكور بحيث يوجب رفع الظّن بظواهر الأخبار الكثيرة العامة المشتملة على تأكيدات متعددة فإن قلت ما مر من رواية زرارة و عبد الملك الدّالّتين على أنه٧أمرهما و حثهما على صلاة الجمعة غير دال على العموم لأن هذا بمنزلة الإذن فلا يلزم وجوبها بدونه قلت إن المعبر عند القائل باشتراط الإذن كون إمام الجمعة الإمام أو من نصبه لذلك على الخصوص و ليس في الخبرين ما يدل على أن الإمام٧نصب أحد هذين الرّجلين إماما لصلاة الجمعة بل أمرهما بها أعمّ من كونهما إمامين أو مأمومين و ليس في الخبرين زيادة على الأوامر الواقعة في سائر الأخبار بالنسبة إلى سائر المكلفين فإن كان هذا كافيا في الإذن كان كل مكلف مأذونا فيها جامعا لما اعتبروه من الشّرط فيرتفع ثمرة الخلاف
و بالجملة أمرهما للرجلين ورد بطريق يشملهما و غيرهما من المكلفين كما لا يخفى على المتدبر في سياق الخبر فلا اختصاص للإذن بهما و قد يستدل على الوجوب الأعم بوجوه أخر منها استصحاب الحكم السّابق فإن وجوب الجمعة حال حضور الإمام أو نائبه ثابت بإجماع المسلمين فيستصحب إلى زمان الغيبة و إن فقد الشّرط المدعى إلى أن يحصل الدّليل النّاقل عن ذلك الحكم و هو منتف و فيه نظر لأن ثبوت الحكم عند تحقق شرط مع احتمال مدخلية الشّرط في ثبوت الحكم لا يستلزم تحققه عند انتفاء ذلك الشّرط
و بالجملة مثل هذا الاستصحاب مردود لا يصلح لإناطة الحكم به كما أشرنا إليه مرارا و منها أن الأصل الجواز و أدلة التّحريم غير تامة و إذا ثبت الجواز المطلق ثبت الوجوب بالمعنى الأعم من العيني و التّخييري لأن الإباحة و الكراهة منتفيتان في العبادات اتفاقا و فيه نظر لأنا لا نسلّم أن الأصل في العبادات الجواز بل الأصل فيها التّحريم إلى أن يرد النّقل الدّال عليه
احتج القائلون بالتحريم بوجوه الأول أن شرط انعقاد الجمعة الإمام أو من نصبه لذلك إجماعا و في حال الغيبة الشّرط منتف فينتفي الانعقاد و الإجماع المذكور نقله ابن زهرة و ابن إدريس
الثّاني أن الظّهر ثابتة في الذمة بيقين فلا يبرأ المكلف إلا بفعلها الثّالث أنه يلزم من عدم القول به الوجوب العيني لإفضاء الأدلة إلى ذلك و المشرعون لها لا يقولون به و الجواب عن الأول بمنع الإجماع في صورة النّزاع بل القدر المسلم اشتراط الإمام أو نائبه في زمان الحضور و عند التّمكن من ذلك لا مطلقا مع إمكان المنازعة فيه أيضا كما اتفق لبعض المتأخرين فإن كلام كثير من القدماء خال عن اعتبار هذا الشّرط و قد مر طرف منه أما اشتراطه في أصل المشروعية في زمان الغيبة فما لا وجه له أصلا و كيف يدعى الإجماع عليه مع مخالفة معظم الأصحاب فيه سلمنا اعتبار الإذن المطلق لكن نقول إنه حاصل من الأئمّة الماضين كما مر في الأخبار السّابقة
سلمنا لكن الفقهاء منصوبون من قبلهم٧و هم يباشرون في زمان الغيبة ما هو أعظم من ذلك كالحكم و الإفتاء و إقامة الحدود و غيرها و عن الثّاني أنا لا نسلّم اشتغال الذمة بالظهر في يوم الجمعة بل لا بد لذلك من دليل
و عن الثّالث أنا لا نسلّم إفضاء جميع الأدلة إلى الوجوب العيني بل المستفاد من بعضها الرّجحان المطلق الشّامل للوجوب العيني و التّخييري سلمنا لكن نحن نقول بمقتضاه كما هو مذهب جماعة من الأصحاب احتج المدقق الشّيخ علي ما اختاره من الفقيه في صحة صلاة الجمعة بأن إذن الإمام معتبر فيها فمع حضوره يعتبر حضوره أو نائبه و مع عدمه يقوم الفقيه مقامه لأنه نائبه على العموم
و جملة ما ذكره من اشتراط الدّليل على المقدمة الأولى أمور ثلاثة الأول أن النّبي٦كان يعين لإمامة الجمعة و كذا الخلفاء بعده كما يعين للقضاء و كما لا يصح أن ينصب الإنسان نفسه قاضيا من دون إذن الإمام فكذا لا يجوز أن ينصب نفسه لإمامة الجمعة قالوا و ليس هذا قياسا بل استدلالا بالعمل المستمر في الأعصار
الثّاني رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر٧قال تجب الجمعة على سبعة نفر من المؤمنين و لا تجب على أقل منهم الإمام و قاضيه و مدعيا حق و شاهدان و الذي يضرب الحدود بين يدي الإمام الثّالث أنه إجماعي على ما نقله جماعة من الأصحاب منهم المحقق و المصنف و الشّهيد في الذكرى و الإجماع المنقول بخبر الواحد حجة فكيف ينقل هؤلاء الأعيان
و الجواب عن الأول بعد تسليم ما ادعاه من العمل المستمر منع دلالته على الشّرطية يجوز أن يكون ذلك حسما لمادة النّزاع و تسهيلا للأمر و كفاية لمئونة الاختيار حتى يصلح للناس الاعتماد عليه بغير ريبة و تردد و لاستحقاقه عن بيت المال لسهم وافر من حيث قيامه بهذه الوظيفة العظيمة من وظائف الدّين و لهذه العلة كانوا يعينون لإمامة الصّلوات و الأذان و غيرهما من الأمور الدّينية فلا يتوقف صحته على الإذن و التّعيين اتفاقا و لم يزل الأمر مستمرا في هذه الأمور في زمن أئمة العدل و الجور إلى زماننا هذا مع عدم احتمال الاشتراط في شيء منها
و عن الثّاني إن الخبر متروك الظّاهر لأن مقتضي ظاهره أن الجمعة لا تنعقد إلا باجتماع الجماعة المذكورة في الخبر و هو خلاف الإجماع و أيضا ظاهره يقتضي عدم الاكتفاء بنائب الإمام و هو خلاف الإجماع أيضا فيجب حمل الخبر على أن المراد من ذكر الجماعة المذكورة التّمثيل لا اشتراط اعتبارهم على الخصوص مع أن ضرورة الجمع بينه و بين الأخبار السّابقة خصوصا رواية محمد بن مسلم راوي هذا الخبر يقتضي المصير إلى الحمل المذكور
و ممّا يؤيده ما رواه الشّيخ عن الحلبي في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه٧أنه قال في صلاة العيدين إذا كان القوم خمسة أو سبعة فإنهم يجمعون الصلاة كما يصنعون يوم الجمعة الحديث و قد يجاب باستضعاف سند الرّواية لأن في طريقها الحكم بن مسكين و هو غير مصرّح بالتوثيق في كتب الرّجال و فيه