ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣٠٧
يونس السّالفة فلا ينافي الخبرين الأولين من وجهين أحدهما أنه لا يجب على الحاكم التّفتيش عن بواطن النّاس و إنما يجوز لهم أن يقبل شهادتهم إذا كانوا على ظاهر الإسلام و الإمامة و إذ لا يعرفهم بما يقدح فيهم و يوجب تفسيقهم و متى تكلف التّفتيش عن أحوالهم يحتاج إلى أن يعلم أن جميع الصّفات المذكورة في الخبر الأول منتفية عنهم لأن جميعها موجب التّفسيق و التّضليل و يقدح في قبول الشّهادة
و الوجه الثّاني أن يكون المقصود بالصفات المذكورة في الخبر الأول الإخبار عن كونها قادحة في الشّهادة و إن لم يلزم التّفتيش عنها و المسألة و البحث عن حصولها و انتفائها أو يكون الفائدة في ذكرها أنه ينبغي قبول شهادة من كان ظاهره الإسلام و لا يعرف فيه شيء من هذه الأشياء فإنه متى عرف فيه أحد هذه الأوصاف المذكورة فإنه يقدح ذلك في شهادته و يمنع من قبولها
هذا ما حضرني في تحقيق هذه المسألة و إنما أطنبنا الكلام فيها هاهنا و إن كان تحقيقها أنسب بباب الشّهادات لكونها من المسائل المهمة الّتي وقع الاحتياج الشّديد إليها
و مما يشترط في النّائب طهارة المولد و هو أن لا يعلم كونه ولد زنا و اشتراط ذلك مذهب الأصحاب لا نعلم فيه مخالفا و قد مرّ في المسألة السّابقة خبران دالان عليه و الظّاهر أنه لا منع فيمن يناله الألسن و لا ولد الشّبهة و لا من جهل أبوه و ربما يقال بكونه مكروها لنفرة النّفس منهم الموجبة لعدم كمال الإقبال على العبادة
و الذكورة لأن صلاة الجمعة لا ينعقد بالمرأة و قال المصنف في التّذكرة إنه يشرط في إمامة الرّجال الذكورة عند علمائنا أجمع و به قال عامة العلماء و يعضده الشّك في حصول البراءة من التّكليف الثّابت عنده
و في العبد و الأبرص و الأجذم و الأعمى أما العبد فاختلف الأصحاب في إمامته فقال الشّيخ في الخلاف و ابن الجنيد و ابن إدريس إنها جائزة و قال الشّيخ في النهاية و المبسوط لا يجوز أن يؤم الأحرار و يجوز أن يؤم مواليه إذا كان أقرأهم و أطلق ابن حمزة العبد لا يؤم الحر و اختاره العلّامة في النهاية و قال ابن بابويه في المقنع لا يؤم العبد إلا أهله و الأول أقرب للأصل و العمومات و ما رواه الشّيخ عن محمد بن مسلم في الصّحيح عن أحدهما٧أنه سئل عن العبد يؤم القوم إذا رضوا به و كان أكثرهم قرآنا قال لا بأس به و عن محمد بن مسلم في الصّحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن العبد يؤم القوم إذا رضوا به و كان أكثرهم قرآنا قال لا بأس به و في الموثق عن سماعة قال سألته عن المملوك يؤم النّاس فقال لا إلا أن يكون هو أفقههم و أعلمهم
احتج المصنف في النهاية على أن العبد لا يؤم الحر بأنه ناقص فلا يليق بهذا المنصب الجليل و احتج ابن بابويه بما رواه السّكوني عن جعفر عن أبيه عن عليّ ٧ قال لا يؤم العبد إلا أهله أوردها الشّيخ و هي رواية ضعيفة فلا يصلح لمعارضة ما ذكرنا و أما الأبرص و الأجذم فاختلف الأصحاب في جواز إمامتهما فقال الشّيخ في النهاية و الخلاف بالمنع من ذلك مطلقا و قال المرتضى في الإنتصار و ابن حمزة بالكراهة و قال الشّيخ في المبسوط و ابن البراج و ابن زهرة بالمنع من إمامتها إلا لمثلهما و قال ابن إدريس يكره إمامتهما في ما عدا الجمعة و العيد أما فيهما فلا يجوز
و مما يوافق المنع الخبران السّابقان في أوائل مبحث العدالة و ما رواه الكليني و الشّيخ عن أبي بصير في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه٧أنه قال خمسة لا يؤمون النّاس على كلّ حال المجذوم و الأبرص و المجنون و ولد الزّنا و الأعرابي و مما يوافق القول بالجواز ما رواه الشّيخ في الصّحيح عن عبد اللّٰه بن يزيد قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن المجذوم و الأبرص يؤمان المسلمين قال نعم قلت يبتلي اللّٰه بهما المؤمنون قال نعم و هل كتب اللّٰه البلاء إلا على المؤمن و راوي هذه الرّواية غير موثق في كتب الرّجال و أولها الشّيخ في التهذيب بحملها على الضّرورة بأن لا يوجد غيرهما أو أن يكونا إمامين لأمثالهم و فيه بعد واضح
و يمكن الجمع بين الأخبار بحمل الأخبار الأول على المنع الشّامل للكراهة لو صلح الخبر الأخير لمعارضة أخبار المنع و لا يلزم استعمال المشترك في معنييه كما زعمه الشّهيد ره استنادا إلى أن النّهي في ولد الزّنا و المجنون محمول على المنع من النّقيض و لقائل أن يقول دلالة أخبار المنع على عدم جواز المنفي غير واضحة لأن مقتضى الأصل و العمومات الجواز و المسألة عندي محلّ تردد و أما الأعمى فاختلف الأصحاب في جواز إمامته و المشهور الجواز بل قال المصنف في المنتهى في باب الجماعة و لا بأس بإمامة الأعمى إذا كان من ورائه من يسدده و يوجهه إلى القبلة و هو مذهب أهل العلم لا نعلم فيه خلافا إلا ما نقل عن أنس و قال في باب الجماعة من التّذكرة لا خلاف بين العلماء في جواز إمامة الأعمى لمثله و للمبصر و نسب جواز إمامة الأعمى في المنتهى في باب الجمعة إلى أكثر أهل العلم و نسب في التّذكرة في باب الجمعة اشتراط السّلامة من العمى إلى أكثر علمائنا و به أفتى في النّهاية و الأقرب الجواز
لنا مضافا إلى إطلاقات الأدلة ما رواه الشّيخ عن الحلبي في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال لا بأس بأن يصلي الأعمى بالقوم و إن كانوا هم الذين يوجهونه و ما رواه الشّيخ عن الحلبي في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّٰه في الأعمى يؤم القوم و هو على غير القبلة قال يعيد و لا يعيدون فإنهم قد تحروا و في بعض الأخبار الضّعيفة و لا يؤم الأعمى في الصّحراء إلا أن يوجه إلى القبلة
و رواها الكليني و الشّيخ عن زرارة في الحسن بإبراهيم بن هاشم قال قلت أصلي خلف الأعمى قال نعم إذا كان له من يسدده و كان أفضلهم و قد سبق في المباحث السّابقة صحيحة محمّد بن مسلم الدّالة على أن أبا بصير أمّهم في طريق مكة و أنه نقله إلى الصّادق٧و لم ينكره ففيه دلالة على المدّعا احتج المصنف في التذكرة على المنع بأن الأعمى لا يتمكن من الاحتراز عن النّجاسات غالبا و بأنه ناقص فلا يليق بهذا المنصب الجليل و فيهما ضعف
و في استحبابها
أي صلاة الجمعة حال الغيبة و إمكان الاجتماع قولان اختلف الأصحاب في صلاة الجمعة في حال غيبة الإمام على أقوال فالمشهور بين المتأخرين منهم أنه واجبة تخييرا بمعنى أن المكلّف مخير بين إيقاع الصّلاة ظهرا و بين إيقاعها جمعة مع أن الأفضل الجمعة و ذهب سلار و ابن إدريس إلى تحريمها في زمان الغيبة و هو ظاهر المرتضى و مال إليه المصنف في المنتهى و في موضع من التّحرير و الشّهيد في الذكرى
و نسب الشّهيد في البيان هذا القول إلى أبي الصّلاح أيضا مع أنه نسب إليه في شرح الإرشاد القول بالاستحباب و حكم الشارح الفاضل في بعض رسائله بخطاء النّسبتين و أن المستفاد من كلام أبي الصّلاح القول بالوجوب العيني و نسب الشّيخ فخر الدّين و الشّيخ علي القول بالتحريم إلى الشّيخ في الخلاف و هو خطأ و ذهب المدقق الشّيخ علي إلى أن صحة صلاة الجمعة في زمان الغيبة مشروطة بوجود الفقيه الجامع لشرائط الاقتداء و زعم أن هذا مذهب جمهور القائلين بجوازها في زمان الغيبة و ربما يتوهم ذلك من بعض عبارات المصنف و الشّهيد
و الظّاهر أنه قول مستحدث مختص بالمدقق الشّيخ علي كما سيتحقق و أمّا الوجوب العيني في زمان الغيبة فالمشهور بين علمائنا المتأخرين القول بانتفائه بل نقل المصنف في التّذكرة و به إطباق علمائنا على ذلك و نقل الإجماع عليه المدقق الشّيخ علي و قال الشّهيد في الذكرى إن عمل الطّائفة على عدم الوجوب العيني في سائر الأعصار و الأمصار
و ظاهر كلام المحقق أيضا أن ذلك اتفاقي حيث قال السّلطان؟؟؟؟ أو نائبه شرط في وجوب الجمعة و هو قول علمائنا لكن الظّاهر أن ذلك ليس باتفاقي بين الأصحاب بل عبارات كثير من المتقدّمين واضحة الدّلالة على خلافه قال الشّيخ المفيد في كتاب الإشراف بأن عدد ما يجب به الاجتماع في صلاة الجمعة عدد ذلك ثمانية عشر خصلة الحرية و البلوغ و التّذكير و سلامة العقل و صحة الجسم و السّلامة من العمى و حضور المصر و الشّهادة للنداء و تخلية السّر و وجود أربعة نفر مما تقدّم ذكره من هذه الصّفات و وجود خامس يؤمهم له صفات يختص بها على الإيجاب ظاهر الإيمان و الطّهارة في المولد من السّفاح و السّلامة من ثلاثة أدواء البرص و الجذام و المعراة بالحدود المشينة لمن أقيمت عليه في الإسلام و المعرفة بفقه الصّلاة و الإفصاح بالخطبة و القرآن و إقامة فرض الصّلاة في وقتها من غير تقديم و لا تأخير عنه بحال و الخطبة بما يصدق فيه من الكلام فإذا اجتمعت هذه الثّماني عشرة خصلة وجب الاجتماع في الظّهر يوم الجمعة على ما ذكرناه و كان فرضها على النّصف من فرض الظّهر للحاضر في سائر الأيام و قال في المقنعة
و اعلم أن الرّواية جاءت عن الصّادقين٧أن اللّٰه جلّ جلاله فرض على عباده من الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة لم يفرض فيها الاجتماع إلا في صلاة الجمعة خاصّة فقال جل من قائل يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
و قال الصّادق٧من ترك الجمعة ثلاثا من غير علّة طبع اللّٰه على قلبه ففرضها وفقك اللّٰه الاجتماع على ما قدّمناه إلا أنه بشريطة حضور إمام مأمور على صفات يتقدّم الجماعة و يخطب لهم خطبتين يسقط بهما و بالاجتماع على المجتمعين في الأربع ركعات ركعتان و إذا حضر الإمام وجب الجمعة على سائر المكلفين إلا من عذره اللّٰه تعالى منهم و إن لم يحضر إمام سقط فرض الاجتماع و إن حضر إمام يخل بشريطة من يتقدّم فيصلح به الاجتماع فحكم حضوره حكم عدم الإمام و الشّرائط الّتي تجب فيمن يجب معه الاجتماع أن يكون حرّا بالغا طاهرا في ولادته مجنّبا من الأمراض الجذام و البرص خاصة في خلقته سلما مؤمنا معتقدا للحق باسرا في ديانته مصليا للفرض في ساعته فإذا كان كذلك و اجتمع