ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣٠٣
و هو البلوغ و كمال العقل و الحصول على ظاهر الآيات السّتر و العفاف و اجتناب القبائح و نفي التّهمة و الظّنة و الحسد و العداوة و قال أبو الصّلاح العدالة شرط قبول الشّهادة على المسلم و يثبت حكمها بالبلوغ و كمال العقل و الإيمان و اجتناب القبائح أجمع و انتفاء الظّنة بالعداوة أو الحسد أو المناقشة أو المملكة أو الشّركة
و قال الشّيخ في المبسوط العدالة في اللغة أن يكون الإنسان متعادل الأحوال متساويا في الشّريعة هو من كان عدلا في دينه لا في مروّته و عدلا في أحكامه فالعدل في الدّين أن يكون مسلما لا يعرف منه شيء من أسباب الفسق و في المروة أن يكون مجتنبا للأمور التي تسقط المروة الّتي مثل الأكل في الطّرقات و مد الأرجل بين النّاس و لبس الثّياب المصبغة و العدل في الأحكام أن يكون بالغا عاقلا فمن كان عدلا في جميع ذلك قبلت شهادته و من لم يكن عدلا لم يقبل فإن ارتكب شيئا من الكبائر و هي الشّرك و القتل و الزّنا و اللّواط و الغصب و السّرقة و شرب الخمر و القذف و ما أشبه ذلك فإذا فعل واحدة من هذه الأشياء سقطت شهادته فأما إن كان مجتنبا للكبائر و مواقعا للصغائر فإنه يعتبر الأغلب من حاله مجانبة المعاصي و كان يواقع ذلك نادرا قبلت شهادته و إن كان الأغلب مواقعته للمعاصي و اجتنابه لذلك نادرا لم يقبل شهادته و إنما اعتبرنا الأغلب في الصّغائر لأنا لو قلنا إنه لا يقبل شهادة من واقع اليسير من الصّغائر أدى ذلك إلى أن لا يقبل شهادة أحد لأنه لا أحد ينفك من مواقعة بعض المعاصي
و قال ابن الجنيد فإذا كان الشّاهد حرا بالغا بصيرا معروف النّسب مرضيا غير مشهور بكذب في شهادة و لا بارتكاب كبيرة و لا مقام على صغيرة حسن التّيقظ عالما بمعاني الأقوال عارفا بأحكام الشّهادة غير معروف بحيف على معامل و لا تهاون بواجب من علم أو عمل و لا معروف بمباشرة أهل الباطل و الدخول في جملتهم و لا بالحرص على الدّنيا و لا بساقط المروة بريئا من أهواء أهل البدع الّتي يوجب على المؤمنين البراءة من أهلها فهو من أهل العدالة المقبول شهادتهم
و ظاهر كلامه موافقة الشّيخ في المبسوط و قال ابن إدريس و بعد كلام الشّيخ في ظاهر هذا القول لم يذهب إليه إلا في هذا الكتاب و لا ذهب إليه أحد من أصحابنا لأنه لا صغائر عندنا في المعاصي إلا بالإضافة إلى غيرها و ما خرجه و استدل به من أنه يؤدّي ذلك إلى أن لا يقبل شهادة أحد لأنه لا أحد ينفك من مواقعة بعض المعاصي فغير واضح لأنه قادر على التّوبة من ذلك الصّغير فإذا تاب قبلت شهادته و ليست التّوبة مما يتعذر على إنسان دون إنسان و لا شك أن هذا القول تخريج لبعض المخالفين فاختاره شيخنا هاهنا و نصره و أورده على جهته و لم يقل عليه شيئا لأن هذا عادته في كثير مما يورده في هذا الكتاب و قال ابن حمزة المسلم الحر تقبل شهادته إذا كان عدلا في ثلاثة أشياء الدين و المروة فالحكم في العدالة في الدّين الاجتناب من الكبائر و من الإصرار على الصّغائر و في المروة الاجتناب عما يسقط المروة من ترك صيانة النّفس و فقد المبالاة و في الحكم البلوغ و كمال العقل
و قال المحقق في الشّرائع لا ريب في زوالها يعني العدالة بمواقعة الكبائر كالقتل و الزّنا و اللّواط و غصب الأموال المغصوبة و كذا موافقة الصّغائر مع الإصرار و في الأغلب أما لو كان في النّدرة فقد قيل لا يقدح لعدم الانفكاك منها إلا فيما يقل فاشتراطه التزام للأشق و قيل يقدح لإمكان التّدارك بالاستغفار و الأول أشبه و كلامه يقتضي موافقة الشّيخ في المبسوط و كذا المصنف في المختلف هذا ما قال المتقدّمون في معنى العدالة
و أمّا المتأخرون فقد قالوا إنها ملكة تبعث على ملازمة التّقوى و المروة بحيث لا يرتكب كبيرة و لا صغيرة مع الإصرار أو في الأغلب و المشهور بينهم أن الصّغيرة النّادرة غير قادحة و إن أمكن تداركها بالاستغفار إذا عرفت هذه الجملة
فاعلم أن الأصحاب مختلفون في أن كل معصية هل هي كبيرة أم لا بعضها كبيرة و بعضها صغيرة فللأصحاب في ذلك قولان القول الأول ما ذهب إليه جماعة منهم المفيد و ابن البراج و الشّيخ أبو علي الطّبرسي و ابن إدريس و هو أن كلّ معصية كبيرة نظرا إلى اشتراكها في مخالفة أمر اللّٰه تعالى و نهيه لكن قد يطلق الصّغير و الكبير على الذنب بالإضافة إلى ما فوقه و ما تحته فالقبلة صغيرة بالنسبة إلى الزّنا كبيرة بالنسبة إلى النّظر بشهوة
قال الشّيخ أبو علي الطّبرسي في تفسيره الكبير بعد نقل هذا القول و إلى هذا ذهب أصحابنا رض فإنهم قالوا المعاصي كلها كبيرة لكن بعضها أكبر من بعض و ليس في الذنوب صغيرة و إنما يكون صغيرا بالإضافة إلى ما هو أكبر و يستحق العقاب عليه أكثر
و يظهر من كلامه أن هذا القول اتفاقي بين الأصحاب و يظهر ذلك من كلام الشّيخ في العدة و ابن إدريس في السّرائر أيضا فلهذا القول شواهد في الأخبار مثل ما دل على أن كلّ معصية شديدة و ما دل على أن كل معصية قد يوجب لصاحبها النّار و ما دل على التّحذير من استحقار الذنب و استصغاره و أمثال ذلك
و يؤيّده ما رواه الكليني عن عبد اللّٰه بن سنان بإسناد محتمل الصّحة عن أبي عبد اللّٰه٧لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار و ما رواه ابن بابويه بإسناد ضعيف عن النّبي٦أنه قال لا تحقروا شيئا و إن صغر في أعينكم و لا تستكثروا شيئا من الخير و إن كبر في أعينكم فإنه لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الإصرار وجه التّأييد أن المراد بالإصرار الإقامة على الذنب بعدم التّوبة و الاستغفار كما قال جماعة من المفسرين في تفسير قوله تعالى وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا
و روى الكليني عن جابر عن أبي جعفر في قول اللّٰه عز و جلّ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ قال الإصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر و لا يحدث نفسه بتوبة فذلك الإصرار و روي من طريق العامة عن النّبي٦ما أصرّ من استغفر لكن هذا تأييد ضعيف لجواز أن يكون المراد بالإصرار المداومة عليه أو العزم على المعاودة فإن ذلك أنسب باللغة
قال الجوهري أصررت على الشّيء أي أقمت و دمت و قال ابن الأثير أصر على الشّيء يصرّ إصرارا إذا لزمه و داومه و ثبت عليه و قال في القاموس أصر على الأمر لزم و قريب منه كلام ابن فارس في المجمل
و أمّا الرّواية فضعيف السّند و روى ابن بابويه مرسلا عن الصّادق شفاعتنا لأهل الكبائر من شيعتنا و أمّا التّائبون فإن اللّٰه عز و جل يقول مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ و في هذه المقابلة إشعار بأن ما عدا التّائب صاحب كبيرة و على هذا القول يزول العدالة بمواقعة المعصية أيّة معصية كانت من غير فرق بين الصّغيرة و الكبيرة و على هذا يلزم إشكال و هو أن لا يوجد عادل أصلا إذ الإنسان لا ينفك عن الصّغائر إلا المعصوم و في ذلك تعطيل للأحكام الكثيرة المبنية على وجود العدل و تفويت للمنافع العظيمة الدّينية و الدّنيوية و تضييع للحقوق و فيه من الحرج و الضّيق ما لا يخفى و قد قال تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ و قال عز شأنه يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
و أجاب ابن إدريس من أصحاب هذا القول بأن تدارك الذنب بالاستغفار ممكن و مع الاستغفار و التّوبة لا يبقى للذنب أثر و اعترض عليه بوجهين أحدهما أن التّوبة متوقفة على العزم على عدم المعاودة و العزم على ترك الصّغائر متعذر أو متعسر لأن الإنسان لا ينفك عنه غالبا فكيف يتحقق العزم على تركها أبدا مع ما جرب من حاله و حال غيره من عدم الانفكاك عنها و هذا الإشكال و إن كان وروده على أصحاب هذا القول أشد لكنه متوجه إلى غيرهم أيضا في الجملة إذا الظّاهر أن التّوبة من الذنب واجب اتفاقا من غير فرق بين الصّغيرة و الكبيرة فإذا اعتبر في التّوبة العزم على التّرك و عدم المعاودة جاء الإشكال و هذا الإشكال لازم لوجوب التّوبة من غير اختصاص له بهذا القول
نعم وروده على هذا القول باعتبارين وجوب التّوبة و اعتبار العدالة و من لم يعتبر في التّوبة العزم على التّرك كما هو مذهب جمع من العلماء و يدل عليه بعض الأخبار لم يحتج إلى زيادة نظر في دفع هذا الإشكال و ثانيهما أنه لا يكفي في التّوبة مطلق الاستغفار و إظهار النّدم حتى يعلم من حاله ذلك و هذا قد يؤدي إلى زمان طويل يفوت معه الغرض من الشّهادة و نحوها فيبقى الحرج
و لعلّ القائلين إن كلّ معصية كبيرة بالنّسبة إلى معصية أخرى لا يقدح عندهم في العدالة الذّنب مطلقا بل القادح عندهم التّظاهر به و الإكثار منه و عدم المبالات بحيث لا يظهر فيه أثر التّقوى و الورع عن محارم اللّٰه تعالى أو يقال القادح في العدالة ارتكاب الذنوب بحيث لا يصحّ توصيفه بالورع و التّقوى عرفا و هذا أمر يختلف بحسب الأوقات و الأحوال و أنواع المعاصي فقليل من بعض أنواعها كالقتل يقدح فيها و كثير من بعض أنواعها لا يقدح فيها كبعض المعاصي الّتي يبتلى بها النّاس غالبا و لا ينفك عنها إلا البالغون في التّقوى المتناهون في الإخلاص و إن صح إطلاق الكبيرة عليها بالنسبة إلى ذنب آخر أصغر منه أو يقال بعض أنواعها و هو ما اختص باسم الكبيرة عند الفرقة الأخرى كالقتل و الزّنا و عقوق الوالدين و أشباه ذلك قادح عندهم في العدالة مطلقا و أما غيرها فيقدح مع الإكثار و الإصرار و إن اشترك الكلّ في كونها كبيرة ببعض الاعتبارات
و قد نقل بعض الأصحاب الاتفاق على أن مثل القتل و الزّنا و العقوق قادح في العدالة مطلقا و لعلّ