ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٦٨
الفرض لربك و استقبل القبلة بنحرك من قول العرب منازلنا تتناحر أي تتقابل و روى الكليني و الشيخ في الصحيح عن حماد عن مريض عن أبي جعفر٧قال قلت له فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ قال النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه و نحره قال في القاموس نحر الدار كمنع استقبلها و الرجل في الصّلاة انتصب و نهض أو وضع يمينه على شماله أو انتصب بنحره إزاء القبلة
و قال ابن الأثير نحروها نحرهم اللّٰه أي صلّوها في أوّل وقتها من نحر الشهود هو أوله و بالجملة الآية ذو وجوه غير متعينة فيما ذكره مع أن الخطاب متوجه إلى النبي٦و شموله الأمة متوقف على ثبوت وجوب التأسي و هو لا يصفر عن ثبوت التّأمل و النّظر و أمّا الاستعانة إلى الآية بانضمام الأخبار المفسّرة لها فجوابها أن حملها على الاستحباب أو الاختصاص بالنّبي٦طريق الجمع و لعلّ الشهرة و القرب يرجح هذا الجمع و إن كان طريقه غير منحصر فيه لجواز حمل رفع اليد في صحيحة عليّ بن جعفر على رفعهما حال القنوت و وقوع الأمر برفع الأيدي في بعض الأخبار محمول على الاستحباب جمعا و ينبغي أن لا يترك الاحتياط في أمثال هذه المواضع لأن قول السّيد ليس بذلك البعيد
إذا عرفت هذا فاعلم أن عبارات الأصحاب فيها نوع اختلاف في بيان حدّ الرفع فقال الشيخ في الرفع المعتبر في تكبيرة الافتتاح و غيرها يحاذي بيديه شحمتي أذنيه و عن ابن أبي عقيل يرفعهما حذو منكبيه أو حبال خدّيه لا يتجاوز بهما أذنيه و قال ابن بابويه يرفعهما إلى النحر و لا يتجاوز بهما الأذنين حبال الخد و الكلّ متقارب و جعل الفاضلان مدلول قول الشيخ أولى و قالا في مبحث تكبير الركوع يرفع يديه حذاء وجهه و في رواية إلى أذنيه و بها قال الشيخ
و قال الشافعي إلى منكبيه و به رواية عن أهل البيت٧أيضا و قال المحقق بعد هذا الكلام لكن الأشهر ما رواه حماد بن عيسى إلى آخر ما نقل و احتج في المنتهى على ما اختاره برواية عمار و رواية ابن سنان السّابقة و الأصل في هذا الباب أخبار كثيرة كصحيحة معاوية بن عمار و صحيحتي ابن سنان و حسنة زرارة و قد سبقت هذه الأخبار الأربعة و روى الشيخ في الصّحيح عن صفوان بن مهران الجمال قال رأيت أبا عبد اللّٰه٧إذا كبر في الصّلاة يرفع يديه حتى يكاد يبلغ أذنيه
و في الصّحيح عن فضالة عن سماعة عن أبي بصير قال قال أبو عبد اللّٰه٧إذا دخلت المسجد فاحمد اللّٰه و أثن عليه و صلّ على النّبي٦فإذا افتتحت الصّلاة فكبرت فلا تجاوز أذنيك و لا ترفع يديك بالدّعاء بالمكتوبة تجاوز بهما رأسك و عن منصور بن حازم قال رأيت أبا عبد اللّٰه افتتح الصّلاة فرفع يديه حيال وجهه و استقبل القبلة ببطن كفيه
و روى الكليني في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن زرارة عن أحدهما٧قال ترفع يديك في افتتاح الصّلاة قبالة وجهك و لا ترفعهما كل ذلك و الظاهر أن رفع اليد بحيث يكون شيء منها محاذيا للنحر و شيء منها محاذيا للوجه و الأذن و لا يرفعهما بحيث يتجاوز الأذن و بهذا يحصل الجمع بين الكلّ
و يؤيّده ما نقل عن بعض صحاح العامة أنه٧رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه و حاذى إبهاميه أذنيه ثم كبر و قال في رواية أخرى حتى رأيت إبهاميه قربتا من أذنيه و يكره أن يتجاوز بهما رأسه قال ابن أبي عقيل قد جاء عن أمير المؤمنين أن النبي٦مر برجل يصلي فقد رفع يديه فوق رأسه فقال ما لي أرى أقواما يرفعون أيديهم فوق رءوسهم كأنها آذان خيل شمس و يستفاد هذا الحكم من بعض الأخبار السّابقة
و يستحب أن يكونا مبسوطتين و يستقبل بباطن كفيه القبلة لرواية منصور بن حازم السابقة و ذهب جماعة من الأصحاب إلى الاستحباب ضم الأصابع حين الرفع استنادا إلى رواية حماد السّابقة لكن لا يخفى أن حديث رفع اليد في تكبيرة الافتتاح غير موجود في الرّواية نعم ذكر فيها الرفع من الركوع ( (قال ابن أبي عقيل قد جاء عن أمير المؤمنين أن النّبي٦مرّ برجل يصلي فقد رفع يديه فوق رأسه فقال ما لي أرى أقواما يرفعون أيديهم فوق رءوسهم من الركوع)) و الظاهر أن ضم الأصابع المنقولة في أوّل الخبر مستمر إلى تلك الحالة و إلا لنقل الراوي و حينئذ تعدية الحكم و تعميمه يحتاج إلى الاستعانة بعدم القائل بالفصل و نقل الفاضلان عن المرتضى و ابن الجنيد تفريق الإبهام و ضم الباقي
و نقله في الذكرى عن المفيد و ابن البراج و ابن إدريس و جعله أولى و أسنده إلى الرّواية و المشهور بينهم أنه يبتدئ برفع يديه عند ابتدائه بالتكبير و يكون انتهاء الرفع عند انتهاء التكبير و يرسلهما بعد ذلك
قال المحقق في المعتبر و هو قول علمائنا و لم أعرف فيه خلافا و لأنه لا يتحقق رفعهما بالتكبير إلا كذلك و قريب منه كلام المصنّف في المنتهى و يخالف ذلك بما رواه الكليني في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه٧قال إذا افتتحت الصّلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات إلى آخر الخبر و لو كانت يداه تحت ثيابه و لم يخرجهما رفعهما تحت الثياب عملا بعموم الأدلّة و يتأكد الاستحباب في تكبيرة الإحرام و كذا في التكبيرات كلها للإمام
و يستحب إسماع الإمام من خلفه تكبيرة الإحرام قال في المنتهى لا نعرف فيه خلافا و المستند في ذلك أخبار كثيرة
منها ما رواه الشيخ في الصّحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه٧قال و إذا كنت إماما فإنه يجزيك أن تكبر واحدة تجهر و تستر ستا لكن المستفاد من هذه الرّواية مجرد الجهر و الدّعاء أكثر منها و يستحب للمأموم الإسرار لقوله٧لا ينبغي لمن خلف الإمام أن يسمعه شيئا مما يقول و يتخير المنفرد عملا بإطلاق الأدلة و نقل في الذكرى عن الجعفي أنه أطلق رفع الصوت بها
و يستحب عدم المدّ بين الحروف كمدّ الألف الّذي بين اللام و الهاء زائدا على القدر الضّروري أو الهمزتين بحيث لا يخرج اللّفظ إلى لفظ آخر قالوا و يستحب أيضا ترك الإعراب في آخره لما روي عن النبي٦أنه قال التكبير جزم
الرابع
من واجبات الصّلاة القراءة و لا خلاف بين الأصحاب في وجوبها و إليه ذهب أكثر المخالفين و ليس بركن في الصّلاة عند الأكثر حتّى إن الشيخ نقل الإجماع عليه و حكى في المبسوط القول بركنيتها عن بعض الأصحاب و الأول أصح للرّوايات الكثيرة المستفيضة الدالة على عدم إعادة الصّلاة بتركها نسيانا
منها ما رواه الصدوق في الصّحيح عن زرارة عن أحدهما٧قال إن اللّٰه تبارك و تعالى فرض الركوع و السجود و القراءة سنة فمن ترك القراءة متعمّدا أعاد الصّلاة و من نسي فلا شيء عليه
و منها ما رواه الشّيخ في الصّحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه٧قال قلت الرّجل يسهو عن القراءة في الركعتين الأوليين فتذكر في الركعتين الأخيرتين أنه لم يقرأ قال أتم الركوع و السجود قلت نعم قال إنّي أكره أن أجعل آخر صلاتي أولها و في الصّحيح عن سماعة عن أبي بصير قال إذا نسي أن يقرأ في الأولى و الثّانية أجزأه تسبيح الركوع و السجود و إن كانت الغداة فنسي أن يقرأ فيها فليمض في صلاته
و روى الشيخ و الكليني بإسناد معتبر عن محمد بن مسلم عن أحدهما٧قال إن اللّٰه عز و جل فرض الرّكوع و السّجود و القراءة سنة فمن ترك القراءة متعمدا أعاد الصّلاة و من نسي القراءة فقد تمت صلاته و لا شيء عليه إلى غير ذلك من الأخبار كرواية منصور بن حازم و رواية سماعة و حسين بن حماد و غيرها و أما ما رواه الشيخ في الصّحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر٧قال سألته عن الّذي لا يقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته قال لا صلاة له إلا أن يقرأ بها في جهر أو إخفات فمحمول على صورة العمد دون النّسيان جمعا بين الأدلة و تجب في الفريضة الثنائية كالصّبح و في الأوليين من غيرها أي غير الثنائية الحمد عند علمائنا أجمع على ما نقله جماعة من الأصحاب
و يدلّ عليه صحيحة محمد بن مسلم السابقة و ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم أيضا قال سألته عن الذي لا يقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته قال لا صلاة له إلا أن يبدأ بها في جهر أو إخفات و عن أبي بصير قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن رجل نسي أمّ القرآن قال إن كان لم يركع فليعد أم القرآن و عن سماعة قال سألته عن الرّجل يقوم في الصّلاة فنسي فاتحة الكتاب قال فليقل أستعيذ باللّٰه من الشّيطان الرّجيم إن اللّٰه هو السّميع العليم ثم ليقرأها ما دام لم يركع فإنه لا قراءة حتى يبدأ بها في جهر أو إخفات فإنه إذا ركع أجزأه و هل يتعين الفاتحة في النافلة الأقرب ذلك لأن الصّلاة عبادة متلقاة من الشارع متوقفة على النقل منه فيجب الاقتصار فيها على المنقول
و قال المصنّف في التذكرة لا يجب قراءة الفاتحة فيها للأصل فإن أراد نفي الوجوب بالمعنى المصطلح فصحيح لأن وجوب الفاتحة فيهما تابع لوجوبها و إن أراد عدم الاشتراط في صحتها فممنوع
و يجب فيما ذكر مع الحمد قراءة سورة كاملة لا خلاف بين الأصحاب في جواز الاقتصار على الحمد وحدها في النوافل مطلقا و في الفرائض عند الضرورة كالخوف و المرض و ضيق الوقت و نقل الاتفاق على ذلك المصنّف في المنتهى و المحقق في المعتبر و اختلفوا في وجوب السورة عند عدم الضرورة على الاقتصار فذهب الأكثر منهم الشيخ في عدة من كتبه و السّيد المرتضى و ابن أبي عقيل و ابن إدريس إلى وجوب السورة و اختاره كثير من المتأخرين و ذهب الشيخ في النهاية و ابن الجنيد و سلّار و المحقق في المعتبر إلى الاستحباب و اختاره جماعة من المتأخرين و مال إليه المصنّف في المنتهى و هو أقرب
لنا ما رواه الشيخ في الصحيح عن عليّ بن رئاب عن أبي عبد اللّٰه٧قال سمعته يقول إن فاتحة الكتاب وحدها تجوز في الفريضة و عن الحلبي في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه٧قال إن فاتحة الكتاب وحدها تجزي في الفريضة و الاستدلال بهذين الخبرين مبنيّ على عموم المفرد المعرف باللام في أمثال هذه المواضع كما حققناه مرارا و عن سعد بن سعد الأشعري في الصّحيح عن أبي الحسن الرضا٧قال سألته عن رجل قرأ في ركعة الحمد و نصف سورة هل يجزيه في الثانية أن لا يقرأ الحمد و يقرأ ما بقي من السّورة قال يقرأ ما بقي من السّورة
و عن زرارة في الصّحيح قال قلت لأبي جعفر٧رجل قرأ سورة في ركعة فغلط أ يدع المكان الذي غلط فيه و يمضي في قراءته أو يدع تلك السورة