ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٦٠
فقال سبحان ربّي الأعلى و بحمده ثلاث مرّات و لم يضع شيئا من بدنه على شيء منه و سجد على ثمانية أعظم الجبهة و الكفين و عيني الركبتين و أنامل إبهامي الرّجلين و الأنف فهذه السّبعة فرض و وضع الأنف على الأرض سنة و هو الإرغام ثم رفع رأسه من السجود فلما استوى جالسا قال اللّٰه أكبر ثم قعد على جانبه الأيسر و وضع ظهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى و قال استغفر اللّٰه ربّي و أتوب إليه ثم كبّر و هو جالس و سجد الثّانية و قال كما قال في الأول و لم يستعن بشيء من جسده على شيء منه في ركوع و لا سجود و كان مجنحا و لم يضع ذراعيه على الأرض فصلى ركعتين على هذا ثم قال يا حماد هكذا صلّ و لا تلتفت و لا تعبث بيديك و أصابعك و لا تبزق عن يمينك و لا يسارك و لا بين يديك
و ثانيهما ما رواه الشيخ و الكليني بأسانيد ثلاثة و بعضها من الصّحاح و بعضها من الحسان بإبراهيم بن هاشم عن زرارة عن أبي جعفر٧قال إذا قمت في الصّلاة فلا تلصق قدمك بالأخرى و دع بينهما فصلا إصبعا أقل من ذلك إلى شبر أكثره و اسدل منكبيك و أرسل يديك و لا تشبك أصابعك و لتكونا على فخذيك قبالة ركبتيك
و ليكن نظرك إلى موضع سجودك فإذا ركعت فصف في ركوعك بين قدميك تجعل بينهما قدر شبر و تمكن راحتيك من ركبتيك و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى و بلغ بأطراف أصابعك عين الركبة و فرج أصابعك إذا وضعتها على ركبتيك فإن وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك فتجعل أصابعك في عين الركبة و تفرّج بينهما و أقم صلبك و مدّ عنقك و ليكن نظرك إلى ما بين قدميك
فإذا أردت أن تسجد فارفع يديك بالتكبير و خر ساجدا و ابدأ بيديك تضعهما على الأرض قبل ركبتيك تضعهما معا و لا تفترش ذراعيك افتراش السّبع ذراعيه لا تضع ذراعيك على ركبتيك و فخذيك و لكن تجنح بمرفقيك و لا تلزق كفّيك بركبتيك و لا تدنهما من وجهك بين ذلك حيال منكبيك و لا تجعلهما بين يدي ركبتيك و لكن تحرفهما عن ذلك شيئا و ابسطهما على الأرض بسطا و اقبضهما إليك قبضا و إن كان تحتهما ثوب فلا يضرك و إن أفضيت بهما إلى الأرض فهو أفضل و لا تفرجن بين أصابعك في سجودك و لكن اضممهن جميعا قال فإذا قعدت في تشهدك فألصق ركبتيك بالأرض و فرّج بينهما شيئا و ليكن ظاهر قدمك اليسرى على الأرض و ظاهر قدمك اليمنى على باطن قدمك اليسرى و أليتاك على الأرض و طرف إبهامك اليمنى على الأرض و إيّاك و القعود على قدميك فتتأذى بذلك و لا تكون قاعدا على الأرض فتكون أنما قعد بعضك على بعض فلا تصبر للتشهد و الدّعاء
الأوّل
من واجبات الصّلاة القيام و لا خلاف في وجوبه بين علماء الإسلام و نقل عليه الإجماع المحقق في المعتبر و المصنف في المنتهى و التذكرة و الشّهيد في الذّكرى و نقل إجماع الفرقة عليه ابن زهرة في الغنية و هو ركن في الصّلاة تبطل الصّلاة لو أخلّ به عمدا أو سهوا مع القدرة عليه و نقل الإجماع عليه الفاضلان في المعتبر و المنتهى و التذكرة و الشّهيد
و استدلّوا على الوجوب و الركنية بوجوه الأول قوله تعالى حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ فإن الظاهر أن المراد به قوموا للّه في الصّلاة قانتين ذاكرين اللّٰه في قيامكم و القنوت أن يذكر اللّٰه قائما كما ذكره صاحب الكشاف أو داعين و القنوت هو الدّعاء في الصلاة حال القيام كما ذكره الشيخ الطّبرسي ناقلا عن ابن عبّاس قال و هو المنقول عن أبي جعفر٧و أبي عبد اللّٰه ع
الثاني ما روي عن النّبي٦من طريق العامة أنه قال لرافع بن خديج صلّ قائما فإن لم تستطع فقاعدا
الثالث صحيحة حماد بن عيسى السّابقة وجه الاستدلال أنه٧كان في مقام بيان الواجب لأنه اتفق فعله٧بعد التقبيح و التوبيخ على ما يفعله ثم أمره بمثل ما فعله بقوله هكذا صلّ فيكون ما أتى به واجبا إلا ما خرج من الدّليل
الرابع أن المعهود من فعل النّبي٦و الأئمّة : ذلك مع قوله٦صلّوا كما رأيتموني أصلي
الخامس ما رواه الشيخ في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي حمزة عن أبي جعفر٧في قول اللّٰه عز و جل الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّٰهَ قِيٰاماً و قال الصّحيح يصلّي قائما و قعودا المريض يصلّي جالسا و على جنوبهم الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلّي جالسا
السّادس ما رواه الشيخ بإسنادين أحدهما من الصّحاح و الآخر من الحسان بإبراهيم ابن هاشم عن جميل أنه سأل أبا عبد اللّٰه٧ما حد المريض الّذي يصلي قاعدا فقال إن الرّجل ليوعك و يخرج و لكنه أعلم بنفسه و لكن إذا قوي فليقم و لا يخفى تطرق البحث إلى أكثر هذه الأدلة
أمّا إلى صحيحة حماد فلأنا لا نسلّم أنه٧بصدد بيان الواجب يرشد إليه إتيانه٧بكثير من المستحبات و التقبيح و التوبيخ المذكور لا يدل على أن الغرض متعلق بحال الواجب لجواز أن يكون ذلك مبنيّا على مداومته في عدة متمادية على ترك السنن و الفضائل و إهماله المستحبات المؤكدة و مثل هذا التأكيد في شأن الفضائل و النّوافل غير عزيز في كلامهم : و يؤيده أنه٧لم يأمره بإعادة ما صلّى من الصّلوات و أما الاستناد إلى قوله٦صلّوا كما رأيتموني أصلّي فضعيف لأنه٧كان مواظبا على السنن و المندوبات في الصّلاة فيكون أمره بالتأسي و المتابعة محمولة على الاستحباب
و أما روايتا أبي حمزة و جميل فدلالتهما على الوجوب غير واضحة و أما الآية فيمكن المناقشة في دلالتها على الوجوب بأن الظّاهر من قوله تعالى حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ إرادة العموم بالنسبة إلى الواجب و المندوب و هو مقتضى لحمل الأمر بالمحافظة على الاستحباب و لا ترجيح لحمل الأمر على الوجوب على تخصيص الصّلوات بالفرائض و إن حملنا الأمر المذكور على الاستحباب يمكن أن يجعل ذلك قرينة لإرادة القيام في جميع الصلوات من قوله تعالى قُومُوا و حمل الأمر به على الاستحباب و انصراف القنوت إلى الأمر المعين و تبادره إلى الذّهن بعد ثبوت استحبابه كما سيجيء مؤيد لهذا الحمل
لكن الحق أن حمل المعرف باللام على المعهود المنساق إلى الذهن و هو الصلاة اليومية أولى من حمل الأمر على الوجوب و تبادر القنوت بالمعنى المعلوم فإنما نشأ من استقرار الاصطلاح فالمناقشة ساقطة و لا يخفى أن دلالة هذه الأدلة على الركنية بالمعنى الذي ذكر غير واضحة و إن سلّمنا دلالتها على الوجوب فإن المستفاد منها على التقدير المذكور بطلان الصّلاة بترك القيام عمدا لأن الصّلاة قاعدا ضدّ للواجب فتكون منهيا عنه و النهي في العبادة يستلزم الفساد و أما سهوا فالأمر فيه غير واضح
و يمكن الاستدلال على الوجوب و الركنية بما رواه الصدوق في باب القبلة في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر٧ثم استقبل القبلة بوجهك و لا تقلب وجهك عن القبلة فيفسد صلواتك فإن اللّٰه عز و جل يقول لنبيّه٦في الفريضة فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ فقم منتصبا فإن رسول اللّٰه٦قال من لم يقم صلبه فلا صلاة له الحديث و المراد بإقامة الصلب و هو عظم من لدن الكاهل إلى العجب و هو أصل الذنب إقامته على وجه الانتصاب و إن كان معناه اللّغوي أعمّ تصحيحا للتعليل و يعضده توقف اليقين بالبراءة من التكليف الثّابت عليه لكن هذا المعاضد لا يفي بلزوم القضاء إنما يختص بحال الإعادة
لا يقال روى زرارة في الصّحيح عن أبي جعفر٧قال لا تعاد الصلاة إلا من خمسة الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود و هذا دالّ على عدم ركنية القيام
و في الصحيح عن أبي جعفر٧قال قلت له الرّجل يصلي و هو قاعد فيقرأ السّورة فإذا أراد أن يختمها قام فركع بآخرها قال صلاته صلاة القائم و هذا يدل على عدم وجوب القيام حال التكبير و القراءة لأنا نقول الخبر الأول غير معمول بين الأصحاب فلا تعويل عليه
و أمّا الخبر الثاني فمحمول على المريض أو الصلاة المندوبة قضية للجمع فيه و عدم انحصار طريق الجمع فيه غير ضائر إذا رجح هذا الجمع اتفاق الأصحاب و كذا الكلام في الأخبار الموافقة لشيء منهما في المعنى إذا عرفت هذا فاعلم أن القيام ليس بركن في جميع الحالات لأن من نسي القراءة أو أبعاضها أو جلس في موضع القيام لا يجب عليه إعادة الصلاة
و لهذا ذكر جماعة من متأخري الأصحاب أن الركن هو القيام المتصل بالركوع و نقل عن الشهيد أنه ذكر في بعض فوائده أن القيام بالنسبة إلى الصلاة على أنحاء القيام إلى النية فإنه لما وجب وقوع النية في حال القيام اتفاقا وجب تقديمه عليها زمانا يسيرا ليقطع بوقوعها حال القيام و هذا شرط للصلاة لتقدّمه عليها و اعتباره فيها و القيام في النية و هو تردد بين الشّرط و الركن كحال النيّة و القيام في التكبير تابع له في الركنية و القيام في القراءة واجب غير ركن و القيام المتّصل بالركوع ركن فلو ركع جالسا بطلت صلاته و إن كان ناسيا و و القيام من الركوع واجب غير ركن و القيام في حال القنوت تابع له في الاستحباب و تبعه عليه الشهيد الثاني و هو حسن إلا أن في إثبات ركنية القيام حال النية عسرا و إشكالا
و أما ركنية القيام حال الافتتاح و القيام المتصل بالركوع فيمكن استفادتها من الخبر السابق بأدنى تأمّل فإن الظاهر هاهنا اعتبار القيام في جميع حالات الصّلاة إلا ما استثني و المراد بالقيام المتّصل بالركوع الجزء الذي يركع عنه و ليس من لوازم الركوع كما ذهب كثير من الأوهام لجواز الركوع منحنيا بعد الجلوس و القدر الموصوف بالركنية ما يصدق عليه أنه قيام متصل بالركوع سواء اتفق مع القراءة فيصدق عليه أنه جزء قيام القراءة أم لا و الزائد عليه إما متّصف بالوجوب أو الاستحباب حسب و القيام في حال القنوت متصف بالاستحباب و الجزء الذي يتّصل بالركوع منه متصف بالوجوب و الركنية و لا إشكال فيه و استشكل المدقق الشيخ علي الاستحباب قيام القنوت بأنه متصل بقيام القراءة فهو