ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٤٨
المراد بالمعادلة اشتماله على ثواب العدد و لا ينافيه الزيادة عليه في الفضيلة و لهذا أجاب٧في خبر جميلة بالأفضلية لما سئل عن المعادلة و يجوز أن يكون المساواة و الأفضلية اختلف بحسب احتمال أشخاص المصلين و أحوالهم فيثبت كلّ منهما لبعض الأشخاص دون بعض أو على بعض الأحوال دون بعض
السّادس قد ظهر بعض الأخبار الصحيحة أن صلاة في مسجد الحرام تعادل ألف صلاة في مسجد النّبي٦و قد ثبت أن صلاة في مسجد النّبي٦تعادل ألف صلاة في غيره و يلزم من ذلك أن صلاة في المسجد الحرام تعادل ألف ألف صلاة من غيره و بعض الأخبار السّابقة الدالة على أن صلاة في المسجد الحرام تعادل مائة ألف صلاة في غيره ينافي ذلك ما الوجه في ذلك
و قد يقال في جوابه إن المائة ألف المذكورة في الخبر ليس فيها تعيين موضع الصّلاة فيمكن أن يقع في أماكن مختلفة الفضيلة بحيث تعادل ألف ألف فإن المائة ألف يحتمل نقصانها عن ألف ألف كما هو الظاهر و يحتمل زيادتها عليه كما إذا اتفق مجموعه في مسجد النبي٦و يمكن فرضها على وجه يساوي ألف ألف فليحمل عليه جمعا بين الأخبار
و فيه نظر لأن مقتضى الخبر الّذي استفيد منه معادلتها لألف ألف معادلتها لذلك العدد في أيّ مكان اتفق ذلك العدد إلا مسجد النبي٦سواء كان شريفا أو غيره كما يفهم من الاستثناء الواقع في ذلك الخبر و حينئذ لا يمكن التوفيق إلا بأن يفرض بعض المائة ألف في مسجد النّبي٦و بعضها في غيره و لا يمكن فرض ذلك على وجه يساوي ألف ألف لأن أقرب الاحتمالات أن يفرض تسعمائة و واحدة منها في مسجد النّبي٦و الباقي تمام المائة ألف في غيره و هو يزيد على ألف ألف بتسعة و تسعين إلا أن يقال الأمر مبني على التخمين و الكسور مغتفرة في مثله غير ملحوظة في الإطلاقات كما هو شائع في مجاري العادات و على هذا يحصل الجمع بهذا الوجه
و يمكن الجمع بأن يقال الأمر في ذلك يختلف بحسب الأشخاص أو الأحوال أو خصوصيات الصّلوات مثلا الصّلاة المشتملة على أقل الواجبات فيه تقتضي المضاعفة بقدر ما و المشتملة على المندوبات و المكملات توجب المضاعفة بمقدار أكثر بناء على أن أصل إيقاع أفعال الصّلاة كما يقتضي المضاعفة و ازدياد الثواب يمكن أن يقتضي وقوع الخصوصيات المستحبة و المكملات المندوبة ازدياد الثواب أيضا بعدد معيّن و بهذا الوجه يمكن تصحيح الاختلاف في عدد المضاعفة و كذلك يمكن أن تكون صلاة الصبح مثلا تقتضي المضاعفة بمقدار و صلاة الظهر تقتضي ضعف المقدار الأول و على هذا القياس
السابع أن المستفاد من بعض الأخبار السابقة أن الصّلاة في مسجد النبي٦بألف و من بعضها بعشرة آلاف فما الوجه فيه و يمكن أن يستفاد جوابه مما قدمنا ذكره
و يمكن الجواب بوجه آخر و هو أن المستفاد من خبر الألف مساواتها لألف صلاة في أيّ موضع اتفق إلا المسجد الحرام و أما أخبار العشرة آلاف فليس في أكثرها التعميم فيمكن حملها على موضع لا يكون له مزيد فضيلته بحيث يساوي عشرة آلاف صلاة فيه لألف صلاة من غير و من المواضع المتّصفة بمزيد الفضيلة نعم لا يستقيم هذا الوجه في بعضها مما دل على التعميم المذكور الثامن أن المستفاد من كثير من الأخبار السّابقة أن الصّلاة في مسجد النبي٦بألف و المستفاد من بعضها أن الصلاة في مسجد الكوفة بألف و يلزم من ذلك تساويهما بالفضل مع أنه نقل الإجماع على بطلانه فقد دلّت الأخبار عليه و كذلك الكلام فيما دلّ على أن الصّلاة في المسجد الأقصى بألف
و الجواب أن الصّلاة في مسجد النبي٦بألف صلاة في أيّ موضع اتفق و إن كان مسجد الكوفة أو الأقصى كما يفهم من الاستثناء المذكور في أخبار فضل صلاة مسجد النبي٦و الصّلاة في مسجد الكوفة ألف صلاة من غير مسجد النبي٦إذ لا تعميم فيه و لا تعيين فلا يلزم المساواة و كذا الكلام في مسجد الأقصى و مما ذكرنا يعلم أن الصّلاة في مسجد النبي٦ألف ألف صلاة و الصّلاة في المسجد الحرام ألف ألف صلاة بل إذا اعتبرنا ما دل على أن الصلاة في مسجد النبي٦بعشرة ألف في غيره إلا المسجد الحرام زاد عدد المضاعفة أضعاف مضاعفة
التاسع قوله٦صلاة في مسجدي كألف في غيره يدخل في إطلاق الغير باقي المساجد و الأماكن التي يستحب فيها الصّلاة أو يباح أو يكره إذا لم يذكر و كان خاص بل صرّح بالتعميم و يلزم من ذلك مساواة الفاضل للمفضول
و الجواب أن المراد أن المضاعفة بهذا القدر ثابت للصلاة في مسجد النبي٦بالنسبة إلى جميع المواضع فاضلا كان أو غيره و لا ينافي ذلك زيادة المضاعفة بالنسبة إلى الصّلاة في بعض الأماكن فلا يلزم مساواة الفاضل للمفضول و الشريف للمشروف و على هذا فلفظ المعادلة المذكورة في بعض الأخبار مصروفا عن معناه الظاهر و لا ضير فيه العاشر المضاعفة المذكورة للمسجدين هل يختص بما كان في زمن النبي٦أو يشمل ما زيد عليه و الخبر مجمل فالتحقيق في هذا الباب
و الجواب أن كلا الأمرين محتمل و لا دليل على التعيين و بعض الأخبار يؤيّد الأول روى الشيخ في الحسن بإبراهيم عن زرارة قال قلت لأبي جعفر٧ما تقول في النوم في المساجد فقال لا بأس إلا في المسجدين مسجد النبي٦و مسجد الحرام قال و كان يأخذ بيدي في بعض الليل فينتحي ناحية ثم يجلس فنتحدث في المسجد الحرام فربما نام فقلت له في ذلك فقال إنما يكره أن ينام في المسجد الّذي كان على عهد رسول اللّٰه٦فأمّا الّذي في هذا الموضع فليس به بأس و في بعض الأخبار أن بيت علي و فاطمة٧أفضل من ما بين القبر و الرّوضة و في الأخبار أيضا أن الصّلاة في بيت فاطمة أفضل من الرّوضة و في الأخبار أيضا ما يدلّ بظاهره على أن ما بين الرّوضة إلى البقيع من رياض الجنّة و في الأخبار أيضا بعض التحديدات لمسجد النبي٦و في بعضها أنه كان ثلاثة آلاف و ستمائة ذراع مكسر و صلاة النافلة في المنزل هذا الحكم مشهور بين الأصحاب و نسبه المصنف في المنتهى إلى علمائنا و مؤذنا بدعوى الإجماع عليه و قال في المعتبر أنه فتوى علمائنا و ذكره الشّيخ و نقل عن الشهيد الثاني أنه رجح في بعض فوائده رجحان فعلها في المسجد أيضا كالفريضة حجة الأصحاب على الأول أن العبادة في حال الاستتار أبلغ في الإخلاص و قد تبين هذا المعنى في قوله تعالى إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقٰاتِ فَنِعِمّٰا هِيَ وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ يريد النوافل و ما روي عن النّبي٦أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة و عن زيد بن ثابت قال جاء رجال يصلّون بصلاة رسول اللّٰه٦فخرج مغضبا و أمرهم أن يصلّوا النوافل في بيوتهم و في الكلّ ضعف و القول الأخير حسن و قد مرّ أخبار كثيرة دالة عليه في المسألة المتقدمة كصحيحة ابن أبي عمير و صحيحة معاوية بن عمار و رواية هارون بن خارجة و رواية عبد اللّٰه بن يحيى الكاهلي و رواية أبي حمزة و رواية نجم بن حطيم و رواية الأصبغ و العمومات الكثيرة و قد مرّ عند شرح قول المصنف و كلما قرب من الفجر كان أفضل خبر صحيح دال على أن النبي٦يصلّي صلاة الليل في المسجد
و يستحب
اتخاذ المساجد هذا إجماعي بين أهل الإسلام قال اللّٰه تبارك و تعالى إِنَّمٰا يَعْمُرُ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ و روى الكليني و الشيخ في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبيدة الحذاء قال سمعت أبا عبد اللّٰه٧يقول من بنى مسجدا بنى اللّٰه له بيتا في الجنّة قال أبو عبيدة فمرّ بي أبو عبد اللّٰه في طريق مكة و قد سويت أحجارا لمسجد فقلت جعلت فداك ترجو أن يكون هذا من ذاك فقال نعم
و قد ورد في بعض الرّوايات عن الباقر٧من بنى مسجدا كمفحص قطاة بنى اللّٰه له بيتا في الجنة مفحص القطاة هو الموضع الّذي تجثم فيه و تبيض كأنها تفحص عنه التّراب أي تكشفه قال ابن الأثير و هذا التشبيه مبالغة في الصّغر و يمكن أن يكون إشارة إلى عدم الاحتياج إلى الجدران بل يكفي رسمه و يستحب اتخاذها مكشوفة و يدل عليه روايات منها ما رواه الكليني و الشيخ في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه٧قال سمعته أن يقول إن رسول اللّٰه بنى مسجده بالسّميط ثم إن المسلمين كثروا فقال يا رسول اللّٰه٦لو أمرت بالمسجد فزيد فيه فقال نعم فأمر به فزيد فيه و بنى السّعيدة ثم إن المسلمين كثروا فقال يا رسول اللّٰه٦لو أمرت بالمسجد فزيد فيه فقال نعم فأمر به فزيد فيه و بنى جداره بالأنثى و الذكر ثم اشتد عليهم الحر فقالوا يا رسول اللّٰه٦لو أمرت بالمسجد فظلل فقال نعم فأمر به فأقيمت فيه سواري من جزوع النخل ثم طرحت عليه العوارض و الخصف و الإذخر فعاشوا فيه حتى أصابهم الأمصار فجعل المسجد يكف عليهم فقالوا يا رسول اللّٰه٦لو أمرت بالمسجد فطين فقال لهم رسول اللّٰه٦لا عريش كعريش موسى فلم يزل كذلك حتى قبض رسول اللّٰه٦و كان جداره قبل أن يظلل قامة فكان إذا كان الفيء ذراعا و هو قدر مربض عنز صلّى الظهر فإذا كان ضعف ذلك صلى العصر و قال السّميط لبنة لبنة و السّعيدة لبنة و نصف و الأنثى و الذكر لبنتان مخالفتان
و منها ما رواه الشيخ في الحسن بمحمد بن عيسى الأشعري و الكليني في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن الحلبي قال سألته عن المساجد المظللة يكره المقام فيها قال نعم و لكن لا يضركم الصلاة فيها اليوم و لو كان العدل لرأيتم أنتم كيف يصنع في ذلك و منها ما رواه ابن بابويه مرسلا عن أبي جعفر٧أنه قال أول ما يبدأ به قائمنا سقوف المساجد فيكسرها و يأمر بها فيجعل عريشا كعريش موسى
إذا عرفت هذا فاعلم أن ظاهر كلام الأصحاب كراهية التظليل مطلقا و الأخبار لا تساعد على ذلك لأن المستفاد من الخبر الأول كراهة التسقيف خاصة دون التظليل