ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٤١
يدل عليه الأخبار المتقدّمة و المستحيل من الأرض إذا لم يصدق عليه اسمها كالمعادن كالملح و العقيق و الذّهب و الفضّة و القير و الوجه فيه الحصر المستفاد من الأخبار السّابقة
و يؤيده ما رواه الشيخ في الضعيف عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّٰه٧قال لا تسجد على الذهب و الفضة و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن الحسين أن بعض أصحابنا كتب إلى أبي الحسن الماضي يسأله عن الصّلاة على الزجاج قال فلما نفذ كتابي إليه تفكرت و قلت هو مما أنبتت الأرض و ما كان لي أن أسأله عنه فكتب إليه لا تصل على الزجاج و إن حدثتك نفسك أنه مما أنبتت الأرض و لكنه من الملح و الرمل و هما ممسوخان و ظاهر هذا الخبر على هذا الوجه المذكور في التهذيب كونه من الصحاح لأن قوله كتب إليه من كلام محمد بن الحسين فلا يضر جهالة المكتوب إليه لعدم استناد النقل إليه لكن الخبر مروي في الكافي بعين الإسناد و المتن إلا في قوله فكتب إليه ففي الكافي فكتب إلي و في بعض النسخ قال فكتب إلي فالخبر على الوجه المنقول في الكافي غير صحيح فربما يجعل ذلك علّة لاعتلال الخبر فلم يحكم بصحته في التهذيب أيضا
و اعلم أن هذا الحكم في القبر محلّ إشكال لاختلاف الروايات فبعضها يدل على المنع كحسنة زرارة السّابقة و ما رواه الشيخ عن محمد بن عمرو بن سعيد عن أبي الحسن الرضا٧قال لا تسجد على القفر و لا على القير و لا على الضّاروج و القفر غير معروف في عرف زماننا و لم أطلع عليه من كتب اللّغة و ليس في سند هذا الخبر من يتوقف في شأنه إلا علي بن إسماعيل و الظاهر أنه علي بن إسماعيل السري و ليس في شأنه توثيق إلا أن الكشي نقل عن نضر بن الصباح توثيقه و لا عبرة بذلك لأن نضر بن الصّباح غال و لعل في نقل أحمد بن محمد بن عيسى عنه إشعارا بحسن حاله
و ظن بعض المتأخرين أن عليّ بن إسماعيل هذا من مدحه العلّامة بقوله خير فاضل و هو توهم لأن الظاهر أن الممدوح بهذا الوجه من أصحاب العياشي كما ذكره الشيخ و يدل على الجواز ما رواه الشيخ في الصّحيح عن معاوية بن عمار قال سأل المعلّى بن خنيس أبا عبد اللّٰه٧و أنا عنده عن السّجود على القفر و على القير فقال لا بأس أورده ابن بابويه بهذه العبارة سأل المعلى إلى آخر الخبر و ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن معاوية بن عمار أنه سأل أبا عبد اللّٰه٧عن الصّلاة على القار فقال لا بأس به و في الصحيح عن معاوية بن عمار قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن الصّلاة في السّفينة فقال تستقبل القبلة بوجهك و ساق الحديث إلى أن قال و يصلى على القفر و القير و يسجد عليه و جمع الشيخ بين الرّوايات بحمل رواية معاوية على الضرورة أو التقية
و لا يخفى أن الحمل على الضرورة بعيد عن سياق الأحاديث المذكورة و أمّا الحمل على التقية فإنما يستقيم عند انتهاض غير الصّحيح لمعارضة الصّحيح و قد يقال حديث هشام بن الحكم السّابق في أوائل الباب يساعد ما دل على المنع لدلالة سياقه و ما سبق في سؤاله من طلب التفصيل لحكم ما يجوز السّجود عليه و ما لا يجوز على الخضر في الأرض و نباتها غير المأكول و الملبوس فظاهر أن الاسم الأرض غير صادق على القير فلو كان خارجا عن الخضر لم يشع في مقام البيان ترك التعرّض له و التعريف لحاله فيصير بهذا التقريب نصا في موافقة ما دل على المنع و أورده عليه أن قصد الإيضاح و التعريف التّام غير ملحوظ في الخبر و لا محذور في عدم إجابة المسائل في تمام مسئوله لجواز اقتضاء الحكمة لذلك و إنما قلنا إن قصد الإيضاح غير ملحوظ لأن الأرض لا يصدق على الأجزاء المنفصلة عنها حقيقة
فظاهر الخبر يقتضي عدم جواز السّجود عليها مع أن ذلك مخالف للنص و الاتفاق فلو كان الإيضاح و البيان التام ملحوظا في الخبر لوجب نصب قرينة دالة على أن المراد بالأرض المعنى المجازي الشامل لأجزائها فانتفاء القرينة على ذلك دال انتفاء الملاحظة المذكورة فانهدم ما بني عليه دعوى نصوصيّة خبر هشام في حكم القير
و التحقيق أنه يمكن الجمع بين الأخبار بوجهين أحدهما ما دل على النّهي في القير على الكراهة و حمل الجواز في خبر هشام على الإباحة الصّرفة و نفيه على مقابله فإن هذا الإطلاق شائع في الأخبار أو بحمل الجواز على المعنى الأعم و يرتكب التخصيص في عموم ما لا يجوز السّجود عليه بالقير و حينئذ يمكن إبقاء الأرض على معناها الحقيقي و ارتكاب التخصيص فيما لا يجوز السجود عليه بأجزاء الأرض تقليلا في المجاز
و يمكن حمل الأرض على المعنى الشامل لأجزائها بقرينة شيوع الحكم و ظهوره و ثانيهما حمل أخبار الجواز على التقية و لا ترجيح للأول باعتبار نصوصية أخبار الجواز لأن خبر الجواز و إن كان نصا في القير إلا أنه ليس بنص في عموم الحالات بل هو ظاهر فيه قابل للتخصيص بحال الضّرورة على أن احتمال التقية يوهن اقتضاء النصوصيّة اللفظية للترجيح و الظّاهر أن الترجيح للثاني لأن لخبر هشام ظهورا تاما في الخضر فلا ينافي ذلك لزوم المجاز في لفظ الأرض لأن إطلاقها على المعنى الشامل للأجزاء عند اشتهار الحكم و وضوحه مما لا بعد فيه أصلا بخلاف التخصيص بالقير في مثل هذا المقام كما لا يخفى على المتدبر
و أما حمل أخبار الجواز على التقية عند موافقة مدلولها للعامة و مخالفتها لجمهور الأصحاب فاحتمال قريب واضح و بالجملة حكم المنع بين الأصحاب بحيث لا يكاد يظهر مخالف فيه بل يظهر من كلام بعضهم نقل الاتفاق عليه و هذا مرجح قوي للخبر الموافق له على أن خبر زرارة أيضا خبر معتمد لا يقصر عن الصحاح لما قد علم من الاعتماد على نقل إبراهيم بن هاشم خصوصا إذا انضم إلى رواية محمّد بن إسماعيل عن الفضل حتى إنها تعد عند كثير من المتأخرين من الصّحيح و لو لا هذه الشهرة العظيمة كان الجمع بحمل أخبار المنع على الكراهة جمعا قريبا واضحا إلا أن الشّهرة تدفعه
و اعلم أن ظاهر كثير من الأصحاب عدم جواز السجود على الجصّ و قد صرّح به بعضهم و صرّح الشيخ في المبسوط بجواز السجود عليه و هو ظاهر ابن بابويه و يدل عليه ما رواه المشايخ الثلاثة بأسانيدهم في الصّحيح عن الحسن بن محبوب أنه سأل أبا الحسن٧عن الجصّ يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى ثم يجصص به المسجد أ يسجد عليه فكتب إليه بخطه أن النار قد طهراه و المشايخ الثلاثة أوردوا هذا الخبر في مبحث السّجود و ظاهر ذلك أنهم فهموا منه الدلالة على جواز السجود على الجص و أن ذلك مذهب لهم
و قال الشّهيد في الذكرى فيه إشارة إلى الجواز و قد يناقش في دلالته على الجواز بأن سوق السّؤال صريح في أنّ المطلوب معرفة حال الجصّ باعتبار ما يختلط به من آثار العذرة المحترقة عليه و ليس في ذكر السجود عليه منافاة لإرادة ذلك المعنى وحده من السؤال إذ هو وجه من وجوه مباشرته فيما يعتبر فيه الطهارة
غاية الأمر أنه من حيث تغيره من صورته الأرضية صار مظنة للمانعية من السجود عليه أيضا فيحتمل أن يكون ذلك ملحوظا في السؤال مع المعنى الأول كما يحتمل عدمه فلو توافق الجواب السؤال في التعبير بلفظ السجود أمكن جعله دليلا على الحكمين و لكن لم يأت الجواب على وفق لفظ السّؤال بل اقتصر فيه على بيان الحكم الذي لا شكّ في إرادته إما بشهادة قرينة لعدم القصد بالسؤال إلى غيره و إمّا لمانع من بيان الحكمين
و على الاحتمالين لا يبقى للنظر إليه في حكم السّجود وجه و لا يخفى ما فيه من التكليف لأن الظاهر أن غرض السّائل استعلام حاله باعتبار السّجود لكن كان منشأ تردّده الشكّ في حكمه باعتبار احتمال النجاسة من حيث اختلاطه بالأجزاء النجسة المحترقة فلما أجاب٧يرفع ما كان منشأ لتجويزه عدم جواز السّجود عليه كان في قوة التصريح بالجواز كما لا يخفى على المتدبر و من هنا يظهر أن القول بجواز السّجود على الجص أقوى
ثم اعلم أن القدماء صرّحوا بأنه لا يجوز إلا على الأرض أو ما أنبتته مما لا يؤكل و لا يلبس عادة و لم يصرّحوا بحكم الخزف و الظاهر أنه مستحيل عن الأرض و أن اسم الأرض لا يصدق عليه فظاهر هذا الإطلاق عدم جواز السّجود عليه عندهم و الشيخ جعل من الاستحالة المطهرة صيرورة التّراب خزفا و هذا كالتصريح بعدم صدق الأرض عليه لكن جماعة من المتأخرين قطعوا بجواز السّجود على الخزف من غير تردّد و لا نقل خلاف في ذلك حتى إن المصنف في التذكرة استدل على عدم خروجه بالطبخ عن اسم الأرض بجواز السجود عليه
و ظاهر هذا الاستدلال أن جواز السّجود عليه أمر مسلم مفروغ عنه غير محتاج إلى الاستدلال و قال المحقق في المعتبر بعد أن منع من التيمّم عليه لخروجه بالطبخ عن اسم الأرض و لا يعارض بجواز السجود لأنه قد يجوز السّجود على ما ليس بأرض كالكاغذ و هذا الكلام لا يستقيم بوجه كما أشرنا إليه في مبحث التيمّم
نعم إن صح كون هذه المسألة إجماعية صحّ هذا الكلام و إثبات الإجماع محلّ إشكال فالقول بالمنع غير بعيد إذ الظاهر عدم صدق الأرض و المستفاد من الأخبار الحصر المشار إليه مرارا و يكفي في صحة هذا القول وجود الدّليل مع موافقته لإطلاقات جماعة منهم و لا يحتاج إلى وجود القائل به صريحا و إن قلنا بالاحتياج في المسائل التي يقع البلوى بها غالبا و لا يكون حكما مستحدثا لم يبحث عند القدماء إلى وجود الموافق كما قيل إن وجود الكليّة كاف و لا يحتاج إلى التنصيص
و يؤيد ذلك تصريح الشهيد و غيره بالكراهة مع أن الظّاهر أنه لا علة لذلك إلا التفصي من الخلاف