ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٣٦
حجّة القول الرابع فيمكن تحصيلها ممّا قيل في حجج غيره من الأقوال و المسألة محلّ إشكال و لو قيل بالتخيير في الستر بين الثّياب و غيرها في غير حال الصّلاة و لعدم انتهاض الأدلة على أكثر من ذلك و أمّا في حال الصّلاة فيجب تقديم ما عدا الطين عليه تمسكا بما دل على الانتقال إلى الإيماء من غير اعتبار الطين لم يكن بعيدا فروع
الأوّل إذا لم يوجد ساتر إلا الطين ففي وجوب الركوع و السّجود نظر لأن الظاهر من الأدلة تعين الإيماء عند تعذر الثّياب و ما يجري مجراه كالحشيش
الثاني يعتبر في الثوب كونه ساترا للعورة و يعتبر كونه صفيقا ساترا للون البشرة و هل يعتبر كونه ساترا للحجم قال المحقق و المصنف لا و هو الأظهر لحصول الستر المأمور به و قيل يعتبر لما رواه الشيخ عن أحمد بن حماد رفعه إلى أبي عبد اللّٰه٧قال لا تصل فيما شف أو صف يعني الثوب الصيقل كذا فيما وجدناه من نسخ التهذيب و ذكره الشهيد ره أنه وجده كذلك بخط الشّيخ ره أبي جعفر و أن المعروف أو وصف بواوين قال و معنى شف لاحت منه البشرة و وصف حكى الحجم
و قريب من هذه الرّواية مرفوعة محمد بن يحيى لكنهما ضعيف السّند غير واضحتي الدلالة على التحريم فيبقى الأصل و العمومات سالمة عن المعارض و إذا كان الستر بالطين فقد صرّح الشّهيد باعتبار اللّون و الحجم معا فإن تعذر فاللّون خاصة قال و في الإيماء هنا نظر و تبعه الشارح الفاضل و لم أطلع على تصريح لمن تقدّمها هاهنا و ما ذكرا غير بعيد فلا ينسحب حكم الثوب هنا لمكان الفرق عرفا لكن قول الصادق٧النّورة سترة مما يدل على خلافه و الرواية و إن كانت ضعيفة لكنها مشهورة بين الأصحاب فتأمل
الثالث قال المحقق و لو وجد وحلا أو ماء كدرا بحيث لو نزله ستر عورته لم يجب نزوله لأن فيه ضررا و مشقة و قال جماعة من المتأخرين بالوجوب و القول بعدم الوجوب لأجل الصّلاة قويّ لفقد الدّليل فإن الأدلة الدالة على وجوب الستر لأجل الصّلاة و اشتراطها غير شاملة لمحلّ النزاع
أمّا وجوب الستر بأحد الأمرين المذكورين عن الناظر إذا لم يتضمن مشقة شديدة عادة فغير بعيد ثم القائلون بالوجوب اختلفوا فقال الشارح الفاضل و الظاهر أن الوحل مقدّم على الماء و إن لم يستر الحجم لأنّه أدخل في مسمّى السّاتر و أشبه بالثوب و الطين المقدمين على الماء و فيه ضعف و نقل عن ظاهر الذّكرى تقديمهما على الحفيرة و عن بعضهم تقديم الحفيرة على الماء الكدر و تأخير الطين عنه و عن بعضهم تقديم الماء الكدر على الحفيرة مطلقا و الشارح الفاضل ذكر في تحقيقه تفصيلا و الكلّ غير منوط بدليل يعتدّ به و لو أمكن العاري ولوج حفيرة و الصّلاة فيها قائما بالركوع و السّجود وجب عند المحقق لحصول الستر و لم يثبت شرطية التصاقه بالبدن فيجب إتمام الأركان
و أيّده بما رواه الشيخ في الصّحيح عن أيّوب بن نوح عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه٧قال العاري الّذي ليس له ثوب إذا وجد حفيرة دخلها و يسجد فيها و يركع و إليه ذهب المصنف في التحرير و قيل لا يجب استضعافا للرواية و هو أقرب لعموم ما دل على الانتقال إلى الإيماء عند تعذر الثياب و ما يجري مجراها كالحشيش
الرّابع يجب شراء السّاتر بثمن المثل أو أزيد مع عدم التضرر على الأقرب لحصول المكنة المقتضية للامتثال و لو أعير وجب القبول و الظاهر أنه لا خلاف فيه بين الأصحاب و لو وهب منه فالشيخ على وجوب القبول و منعه المصنف في التذكرة لما فيه من المنّة
الخامس لو لم يجد إلّا ثوب حرير صلّى عاريا و لم تجز الصّلاة فيه لتعلق النّهي عن الصّلاة فيه و لو وجد النّجس و الحرير و اضطر إلى لبس أحدهما فالظاهر وجوب لبس النجس
السادس الستر يراعى من الجوانب الأربع و من فوق و لا يراعى من تحت و لو صلّى على طرف سطح بحيث يرى عورته من تحته ففيه نظر لأن السّتر يراعى من الجوانب التي قرنت العادة بالنظر إليها و لأن الستر من تحت إنما يفتقر إذا كان على وجه الأرض
السابع لو كان في الثوب خرق فإن لم يحاذ العورة فلا كلام فيه و إن حاذاها بطلت الصّلاة و لو جمعه بيده بحيث يتحقق الستر بالثوب صح كما صرّح به جماعة من الأصحاب و لو وضع يده عليه بحيث يكون الستر مستندا إلى يده أو وضع اليد غيره كذلك فالّذي صرّح به جماعة من الأصحاب البطلان و لي فيه إشكال
الثامن لو وجد السّاتر في أثناء الصّلاة فإن أمكنه الستر من غير فعل المنافي وجب و لو توقف على فعل المنافي صحت الصّلاة عند تضيق الوقت و الإبطال مع احتمال وجوب الاستمرار مطلقا
التّاسع لو وجد ساتر إحدى العورتين وجب و لعلّ الأولى صرفه إلى القبل لقوله٧في بعض الأخبار التي نقلناها في أوائل أحكام الخلوة و أمّا الدّبر فمستور بالأليتين فإذا سترت القضيب و البيضتين فقد سترت العورة و الخنثى المشكل إن أمكنه ستر القبلتين قدم ذلك على ستر الدّبر و إلا فالّذي قربه الشهيد في الذكرى وجوب ستر الذكر لبروزه و فيه إشكال و قال بعض العامة يستر ما ليس للمطلع فإن كان رجلا ستر آلة النساء و إن كانت امرأة ستر آلة الرجال و لا دليل عليه
العاشر الأقرب أنه ليس الستر معتبرا في صلاة الجنازة لأن اسم الصّلاة لا تقع عليها إلا مجازا كما بيّناه سابقا و قيل يجب لإطلاق الاسم عليها فإن فقد جميع ما يمكن الستر به و لو بالشراء أو الاستيجار أو الاستعارة
صلّى عريانا قائما مع أمن المطلع و جالسا مع عدمه هذا مذهب الأكثر و قال المرتضى يصلّي جالسا موميا و إن أمن و قال ابن إدريس يصلّي قائما موميا في الحالين و منشأ الاختلاف اختلاف الرّوايات يدل على التفصيل ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن مسكان عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه٧في الرّجل يخرج عريانا فتدركه الصّلاة قال يصلّي عريانا قائما إن لم يره أحد فإن رآه أحد صلّى جالسا و يدل على الثّاني ما رواه الشيخ في الحسن لإبراهيم بن هاشم عن زرارة قال قلت لأبي جعفر رجل خرج من سفينة عريانا أو سلب ثيابه و لم يجد شيئا يصلّي فيه فقال يصلّي إيماء فإن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها و إن كان رجلا وضع يده على سوأته ثم يجلسان فيومئان إيماء و لا يركعان و لا يسجدان فيبدوا ما خلفهما تكون صلاتهما إيماء برءوسهما قال و إن كانا في ماء أو بحر لجي لم يسجدا عليه و موضوع عنهما التوجه فيه يوميان في ذلك إيماء رفعهما موجه و وضعهما
و في الصّحيح عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه٧قال سألته عن قوم صلّوا جماعة و هم عراة قال يتقدمهم الإمام بركبتيه و يصلّي بهم جلوسا و هو جالس قيل و الحكم بالجلوس مع الجماعة يقتضي جوازه مطلقا إذ لا يعقل ترك الركن لتحصيل الفضيلة و في الموثق عن إسحاق بن عمار قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧قوم قطع عليهم الطريق فأخذت ثيابهم فبقوا عراة و حضرت الصّلاة كيف يصنعون قال يتقدمهم إمامهم فيجلس و يجلسون خلفه فيومئ إيماء بالركوع و السجود و هم يركعون و يسجدون خلفه على وجوههم و لعلّ المراد بقوله و هم يركعون و يسجدون في خلفه على وجوههم الإيماء بالرأس و الوجه
و يدل على القول الثالث رواية عليّ بن جعفر السّابقة و صحيحة عبد اللّٰه بن سنان السّابقة عند شرح قول المصنف و الإمامة بغير رداء
و يمكن الجمع بين الأخبار إما بحمل الأخبار المطلقة على التفصيل استنادا إلى الخبر المفصل فإنه و إن كان مرسلا إلا أنه صحيح إلى ابن مسكان و هو ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه فيكون الخبر من الأخبار المعتبرة و إما بالحمل على التخيير كما مال إليه المحقق في المعتبر استضعافا للرّواية المفصّلة
و لا يخفى أن حمل الأخبار المطلقة على التفصيل تأويل بعيد و الحمل على التخيير أقرب و حينئذ يمكن حمل خبر التفصيل على الفضيلة و يومي في الحالين أي حالتي القيام و القعود راكعا و ساجدا إيماء بالرأي لخبر زرارة فإن تعذر فبالعينين و رجح الشهيد في الذكرى وجوب جعل السّجود أخفض من الركوع تحصيلا للافتراق و القرب من الأصل و جعل الانحناء فيهما بحسب الممكن بحيث لا يبدر و معه العورة استصحابا للأصل و احتمل وجوب وضع الأعضاء السّبعة في السّجود على الكيفية المعتبرة فيه و كل ذلك تقييد للنص و كذا القول بوجوب رفع شيء يسجد عليه إن أمكنه و قوله٧في صحيحة عبد الرحمن الواردة في المريض و يضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من شيء لا يدل عليه لأن حكم المريض لا ينسحب هاهنا إلا بدليل
و ظاهر الأخبار و كلام الأصحاب أن الإيماء في حالتي القيام و الجلوس على وجه واحد فلا يجب على القائم الجلوس ليومي للسّجود و حكى الشهيد في الذكرى عن شيخه السّيد عميد الدّين أنه كان يقوي جلوس القائم ليومي للسجود جالسا لأنه أقرب إلى هيئة السّاجد فيدخل تحت فأتوا ما استطعتم و هو ضعيف لأن الوجوب حينئذ انتقل إلى الإيماء فلا معنى للتكليف بالإتيان بالممكن من السجود و لو صلّى العاري بغير إيماء بطلت صلاته و كذا لو أتى بالركوع و السجود سواء كان متعمدا أو ناسيا أو جاهلا لعدم حصول الامتثال الموجب للصحة و ربما قيل بالصحة في الناسي لعدم توجه النهي إليه و هو ضعيف
و هل يجوز صلاة العاري في سعة الوقت صرح الشيخ في النهاية بالجواز و قال المرتضى و سلّار يجب أن يؤخّر رجاء لحصول السترة و قال في المعتبر إلى وجوب التأخير مع ظن تحصيل السترة و التعجيل بدونه و هو غير بعيد و إن كان قول الشيخ أقوى لإطلاق الأدلة
و يستحب الجماعة للعراة رجالا كانوا أو نساء و يصلون صفا واحدا يتقدّمهم الإمام بركبتيه كما يدل عليه صحيحة ابن سنان