ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٣٥
حسن و تحقيق المقام أنّه وقع التعارض بين الأخبار و يمكن الجمع بوجهين أحدهما حمل أخبار المنع على الأفضلية
و يؤيّده ما رواه الشيخ في الصّحيح عن محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد اللّٰه عن جلود الثعالب فقال ما أحبّ أن يصلّى فيها و يمكن حمل أخبار الجواز على التقية إبقاء للأكثر الأشهر على ظاهره و المسألة محلّ تردد و إن كان للمنع رجحان كذلك اختلفت الأخبار في في السّمور فبعضها يدلّ على المنع و هو المشهور بين الأصحاب كصحيحة أبي علي بن راشد و رواية بشير بن بشار و رواية مقاتل السّابقات عند تحقيق السّنجاب و ما رواه الشيخ في الصّحيح عن سعد بن سعد الأشعري عن الرّضا قال سألته عن جلود السّمور فقال أيّ شيء هو ذاك الأدبس فقلت هو الأسود فقال هو يصيد فقلت نعم يأخذ الدّجاج و الحمام قال لا و بعضها يدلّ على الجواز و القول به منقول عن الصّدوق في المقنع كصحيحة الحلبي و صحيحة عليّ بن يقطين و رواية الرّيان لكن روايتي الرّيان و ابن يقطين غير دالتين على جواز اللّبس في الصّلاة
و يمكن الجمع بين الأخبار أحدهما حمل أخبار المنع على الأفضليّة و الثّاني حمل أخبار التّرخيص على التّقية و هذا أقرب فإنك قد عرفت أنّ دلالة جواز اللّبس في الصّلاة منحصرة في رواية الحلبي و هي مشتملة على ما لا يعمل به الأصحاب كما أشرنا فحينئذ يتعيّن حملها على التقيّة عملا بالأخبار الكثيرة المعمولة بين الأصحاب
مسألة قال الشيخ في النهاية لا يجوز الصّلاة في الثّوب الّذي تحت وبر الثّعالب و الأرانب و لا الّذي فوقه و نحوه قال في المبسوط و قال ابن بابويه إياك أن تصلّي في الثّعلب و لا في الثّوب الّذي يليه من تحته و فوقه و ذهب ابن إدريس و جمهور المتأخرين إلى الجواز استنادا إلى الأصل و إطلاق الأمر بالصّلاة احتج الشّيخ بأن تحصيل اليقين بالبراءة يتوقف عليه و برواية عليّ بن مهزيار السّابقة و أجاب عنه في المختلف بأنه قد حصل اليقين بالبراءة حيث أوقع الفعل على الوجه المأمور به و بأنّ الرّواية ضعيفة بجهالة الرّاوي
و لا يخفى أنّ الرواية صحيحة عند التأمل الصّادق كما أشرنا إليه مع أنّ صحيحة أبي علي بن راشد السّابقة أيضا موافق لقول الشّيخ لكن الاستدلال على التّحريم بمجرّد النهي الواقع في أخبارنا من غير انضمام قرينة لا يخلو عن إشكال و كذا يحرّم الصّلاة
فيما يستر ظهر القدم و لا ساق له بحيث يغطي المفصل الّذي بين السّاق و القدم و شيئا من السّاق و إن قلّ كالشّمشك بضمّ الشّين و كسر الميم و النعل السندي و شبهها و إليه ذهب المفيد في المقنعة و الشّيخ في النهاية و هو المنقول عن ابن البرّاج و كلام سلّار مشعر بالمنع إلّا في الصّلاة على الموتى و إليه ذهب الفاضلان
و ذهب الشيخ في المبسوط و ابن حمزة إلى الكراهة و إليه ذهب أكثر المتأخّرين و هو أقرب للأصل و إطلاق الأمر بالصّلاة فلا يفيد إلا بدليل استدلّ المحقق على القول الأوّل بفعل النّبي و حمل الصّحابة و التّابعين فإنّهم لم يصلوا في هذا النّوع و هو استدلال ضعيف لأنّه شهادة على نفي غير محصور فلا تسع إذ من المستبعد إحاطة العلم بأنّهم كانوا لا يصلون فيما هو كذلك دائما مع أنّه على تقدير التّسليم غير دال على التحريم لجواز أن يكون ذلك مبنيا على عادة بلادهم أو يكون محمولا على الاستحباب
و لو تم هذا الاستدلال لزم تحريم الصّلاة في كلّ ما لم يصل فيه النبيّ٦و هو معلوم البطلان و حيث كان الحكم مخصوصا بما لا ساق له مع كونه ساترا لظهر القدم فلا تحريم و لا كراهة فيما ليس كذلك كالنّعل العربيّ لانتفاء الوصف الموجب لشيء منهما بل يستحبّ الصّلاة في النّعل العربيّ عند علمائنا و المستند فيه ورود الأمر بالصّلاة فيه في عدّة أخبار
منها ما رواه الشّيخ في الصّحيح عن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه٧قال إذا صلّيت فصل في نعليك إذا كانت طاهرة فإنّه يقال ذلك من السنة و رواه ابن بابويه بإسناد آخر في الصّحيح عن عبد الرّحمن بأدنى تفاوت في المتن و منها ما رواه في الصّحيح عن عبد اللّٰه بن المغيرة قال إذا صلّيت فصلّ في نعليك إذا كانت طاهرة فإن ذلك من السّنة و روى الشيخ في الصّحيح عن الحسين بن سعيد عن محمّد بن إسماعيل قال رأيته يصلّي في نعليه و لم يخلعها و أحسبه قال ركعتي الطواف
و في الصحيح عن معاوية بن عمار قال رأيت أبا عبد اللّٰه يصلي في نعليه غير مرّة و لم أر نزعها قط و في الصّحيح عن عليّ بن مهزيار قال رأيت أبا جعفر٧صلّى حين زالت الشمس يوم التروية ستّ ركعات خلف المقام و عليه نعلاه و لم ينزعهما و مقتضى الروايات استحباب الصّلاة في النّعل مطلقا و لعلّ حمله على العربيّة كونها هي المتعارفة في ذلك الزّمان و القول بالإطلاق غير بعيد و كذا لا تحريم و لا كراهة فيما انتفى فيه أحد الوصفين المذكورين قال في التذكرة أنه موضع وفاق بين العلماء و لذا قال المصنف إلا الخفّ و الجورب و هو نعل مخصوص و هو معرب و مثلهما الجرموق قال في الذكرى و هو خف واسع قصير يلبس فوق الخف و قد مرّ من الأخبار في حكم الميّتة ما يدلّ على جواز الصّلاة في الخف
و يزيده بيانا ما رواه الشّيخ في الصّحيح عن إسماعيل بن الفضل قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن لباس الجلود و الخفاف و النعال و الصّلاة فيها إذا لم تكن عن أرض المصلّين فقال أمّا النّعال و الخفاف فلا بأس بهما و ما رواه الشيخ و الكليني عن الحسن بن الجهم قال قلت لأبي الحسن٧أعترض السّوق فأشتري خفا لا أدري أ زكي هو أم لا قال صلّ فيه قلت و النّعل قال مثل ذلك قلت إنّي أضيق من هذا قال أ ترغب عمّا كان أبو الحسن٧يفعله و عن إبراهيم بن مهزيار قال سألته عن الصّلاة في جرموق و أتيته بجرموق بعثت به إليه فقال يصلّى فيه
و عورة
الرّجل التي يجب سترها في حال الصّلاة و غيرها و يشترط صحة الصّلاة بسترها قبله و دبره و منها البيضتان دون الأليين و الفخذ و هذا القول هو المشهور بين الأصحاب حتّى نقل ابن إدريس إجماع فقهاء أهل البيت٧و نقل عن ابن البراج أنّه قال هي من السّرة إلى الركبة و عن أبي الصّلاح أنه جعلهما من السّرة إلى نصف السّاق مع أن المحقق في المعتبر قال ليست الركبة من العورة بإجماع علمائنا و الأقرب الأوّل و قد مرّ الاستدلال عليه في أوائل مباحث الاستنجاء و لم نقف لأبي الصّلاح و ابن البراج على حجة يعتدّ بها
و يجب
على الرّجل سترهما مع القدرة عليه و لو بالورق و الطّين و ظاهر العبارة أنّ ذلك على وجه التخيير فيجوز الاستتار بالورق مع إمكان الثوب كما يجوز بالطين مع إمكانهما و في المسألة أقوال أخر منها أنّه يستر بالثّوب فإن تعذر فبالورق أو الحشيش أو الطّين مخيرا بينها اختاره المصنف في القواعد و هو قول الأكثر إمّا صريحا أو ظاهرا كالشّيخ و ابن إدريس و المحقّق و المصنف في أكثر كتبه و الشهيد في البيان
و منها أنّه يستر بالثّوب أو الحشيش أو الورق مخيرا بينهما فإن تعذّر فبالطّين ذهب إليه الشّهيد في الذكرى
و منها أنه يستر بالثوب فإن تعذر فبالورق فإن تعذر فبالطين ذهب إليه الشهيد في الدّروس و استدلّ على القول الأوّل بحصول المقصود من السّتر و رواية عليّ بن جعفر و قد سبقت عند شرح قول المصنف يجب ستر العورة في الصّلاة و بقول الباقر٧النّورة سترة و فيه نظر لمنع حصول المقصود بالسّتر و الرّواية غير دالة على التخيّر
و أمّا ما دلّ على أنّ النّورة سترة فروايتان نقلناهما في مبحث الخلوة لكنهما غير نقي السّند فالتّعويل عليهما مشكل و إن تمسّك القائل بهذا القول بالأصل و عدم الدّليل على الزائد لكان أولى
و استدلّ على القول الثاني أمّا على تقديم الثّوب فبعدم فهم غيره من السّاتر عند الإطلاق و برواية علي بن جعفر و قد يستدلّ عليه أيضا بقول الباقر٧أدنى ما تصلّي فيه المرأة درع و ملحفة و مقتضاه وجوب الثّياب للمرأة فيثبت الحكم في الرّجل أيضا للإجماع على عدم الفرق و على التخيير بين الباقي عند تعذر الثوب بحصول مقصود السّتر به
و يرد على الأوّل أنّ القدر الّذي ثبت بالإجماع أو الأخبار وجوب السّتر بحيث لا ينظر إليه و أمّا دلالتها على السّتر بالثّياب فغير واضح و الحكم بالتستر بالحشيش في الرّواية تابع للسّؤال و هو تعذر الثوب و ذلك لا يقتضي عدم جواز التستر به عند إمكان الثّوب و قول الباقر٧منزل على الغالب المتعارف فالاستدلال به مشكل و على الثّاني لمنع المذكور احتج الشهيد على ما ذهب إليه من التخيّر بين الثّياب و غيرها برواية علي بن جعفر و على تقديمها على الطّين بعدم فهمه من السّاتر عند الإطلاق
و قد يستدلّ عليه أيضا بقوله تعالى خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فإنّ ذلك لا تعد زينة و فيه نظر لأنّ الرّواية مختصة بصورة تعذّر الثّياب فلا دلالة فيها على التّخيير بين الثّياب و غيرها و ما استدلّ به على تقديمها على الطّين لو تمّ اقتضى تقديم الثّياب على الورق و الحشيش على أنّ الاستدلال بالآية مشكل لما أشرنا إليه سابقا من الاختلاف في تفسيرها في الأخبار و أقوال المفسّرين مع أنّ الزّينة غير مرادة بظاهرها للإجماع على الاجتزاء بالخرق و شبهها ممّا لا تعد زينة و لو تم ما نقل بعضهم من إجماع المفسّرين على أنّ المراد بالزّينة ما يواري العورة لاشترك الكلّ في ذلك
و أمّا