ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢٢٠
و هو غير بعيد لكن لو قيل يجب تحري ما بين المشرق و المغرب لقولهم٧ما بين المشرق و المغرب قبلة كان قويا
قال المصنف في النهاية و لو لم يتمكن من الاستقبال جعل صوب الطريق بدلا عن القبلة لأن المصلي لا بد أن يستمر على جهة واحدة لئلا يتوزع فكره و جعلت تلك الجهة جهة الكعبة لشرفها فإذا عدل عنها لحاجة السير فليلزم الجهة التي قصدها محافظة على المعنى المقتضي للاستمرار على الجهة الواحدة ثم الطّريق في الغالب لا ينفك عن معاطف يلقاها السالك يمنه و يسره فيتبعه كيف كان للمحاسبة و هو وجه استحساني و إثباته مشكل
و كذا الماشي و كذا الحكم في الصّلاة في السفينة و كثير من الأخبار دل على وجوب الاستقبال حينئذ بقدر الإمكان كصحيحة حماد بن عثمان و صحيحة أبي أيوب و حسنة حماد بن عيسى و سلفت تلك الروايات الثلاث عند شرح قول المصنف و لا يجوز ذلك في الفريضة و يؤيده ما رواه سليمان بن خالد قال سألته عن الصّلاة في السفينة فقال يصلي قائما فإن لم يستطع القيام فليجلس و يصلي و هو مستقبل القبلة فإن دارت السفينة فليدر مع القبلة إن قدر على ذلك و إن لم يقدر على ذلك فليلبث على مقامه و ليتحر القبلة بجهده و قال يصلي النافلة مستقبل القبلة إذا كبر ثم لا يضره حيث دارت
لكن روى الشيخ في الموثق عن يونس بن يعقوب قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن الصّلاة المكتوبة في السفينة و هي تأخذ شرقا و غربا فقال استقبل القبلة ثم كبر ثم اتبع السّفينة و در معها حيث دارت بك
و يمكن الجمع بين هذا الخبر و بين الأخبار السّابقة إما بحمل أخبار السّابقة على الاستحباب أو حمل هذا الخبر على حال الضرورة و عدم التمكن من الاستقبال و لعل الأخير أوجه وقوفا مع الأخبار الصحيحة المشهورة بين الطّائفة و يؤيّده قوله٧لا صلاة إلا إلى القبلة بالتقريب السّابق و قوله٧إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم و مع ذلك فطريق التأمّل غير منسد عنه بالكلية فتدبر
و علامة
أهل العراق و من والاهم من البلاد التي وراءهم بالنسبة إلى جهة القبلة جعل مطلع الفجر و هو المشرق على المنكب و هو مجمع العضد و الكتف الأيسر و المغرب على المنكب الأيمن و كثير من الأصحاب عبروا عنهما بمشرق الاعتدال و مغربه و جعل الجدي و الصحيح أنه مكبر و ربما صغر ليتميز عن البرج و هو نجم مضيء في جملة أنجم بصورة سمكة يقرب من القطب الشمالي الجدي رأسها و الفرقدان ذنبها يجعله بحذاء المنكب الأيمن قال الشّارح الفاضل لما كان الجدي ينتقل عن مكانه مشرقا و مغربا و ارتفاعا و انخفاضا لم يكن علامة دائما بل إنما يكون علامة في حال عناية ارتفاعه بأن يكون إلى جهة السماء و الفرقدان إلى الأرض أو غاية انخفاضه عكس الأول كما قيده بذلك المصنف و غيره أما إذا كان أحدهما إلى جهة المشرق و الآخر إلى المغرب فالاعتبار بالقطب و هو نجم خفي في وسط الأنجم التي بصورة السّمكة لا يكاد يدركه إلا حديد البصر و هو علامة دائما كالجدي حال الاستقامة و لا يتغير عن مكانه إلا يسرا لا يكاد يبين للحس فلا يؤثر في الجهة و حركته اليسيرة دورة لطيفة حول قطب العالم الشمالي قال و إنما يشترط في الجدي الاستقامة لكونه في تلك الحال على دائرة نصف النهار فإنها؟؟؟؟ بقطبي العالم و يقطع الأفق على نقطتين هما نقطتا الجنوب و الشمال فإذا كان القطب مسامتا لعضو من المصلي كان الجدي على تلك الحال مسامتا له أيضا لكونهما على دائرة واحدة بخلاف ما لو كان منحرفا نحو المشرق و المغرب و التقييد الذي اعتبره ره مشهور ممن صرّح بترجيح النجم الخفي المحقق و المصنف و الشهيد و هو مذكور في بعض كتب العامة أيضا
و نقل الشيخ المدقق الجليل مولانا أحمد الأردبيلي في شرح هذا الكتاب عن بعض علماء الهيئة الماهرين في الفن المذكور أن هذا خطاء لأن الجدي أقرب إلى القطب الشمالي من تلك النجمة و أن ليس الجدي حال الاستقامة على القطب الشمالي بل له أوضاع متعددة و هو أن يكون على القطب و خط نصف النهار لكونه مائلا إلى المغرب كثيرا قال و اعتبرنا ذلك فوجدنا أن الجدي أقرب إلى القطب كما أفاد
و اعتبر المحقق في المعتبر لأهل المشرق أولا جعل الجدي خلف المنكب الأيمن ثم قال إن الجدي ينتقل و الدلالة القوية القطب الشمالي فإذا حصله العراقي جعله خلف أذنه اليمنى دائما بأنه لا يتغير و إن تغير كان يسيرا و بين الأمرين تخالف قال بعض الفضلاء و اعتبار محراب مسجد الكوفة يساعد على الأول و من علامات قبلة العراقي أيضا جعل عين الشمس عند الزوال على الحاجب الأيمن مما يلي الأنف إذا استخرج الوقت بغير استقبال قبلة العراق فهذه علامات ثلاثة قد ذكرها المصنف لقبلة العراقي و أكثر هذه العلامات و غيرها من علامات سائر البلاد مأخوذة من علم الهيئة
و غاية ما وصل إلينا في هذا الباب روايتان أحدهما ما رواه الشيخ في الموثق عن محمّد بن مسلم عن أحدهما٧قال سألته عن القلبة قال ضع الجدي في قفاك و صل و الظاهر أن الرواية منقولة من كتاب الطاطري و هو كتاب معتمد و الخبر معمول بين الأصحاب و حملوه على قبلة العراقي لأن الراوي الكوفي
و ثانيهما ما رواه الصدوق مرسلا قال رجل للصّادق٧إني أكون في السفر و لا أهتدي إلى القبلة بالليل قال أ تعرف الكوكب الذي يقال له جدي قلت نعم قال اجعله على يمينك و إذا كنت في طريق الحج فاجعله بين كتفيك و فيها إجمال واضح
و لا يخفى أن بين هذه العلامات الثلاثة المذكورة اختلاف واضح فإن العلامة الأولى سواء قيد المشرق و المغرب بالاعتدالين أو كان المقصود أن يجعل مشرق يوم على اليسار و مغرب ذلك اليوم على اليمين يقتضي محاذاة نقطة الجنوب و كذا العلامة الثالثة
و أمّا الثّانية فيقتضي انحرافا بينا عنها نحو المغرب و هو المطابق لمعظم بلاد العراق و الأولى حمل العلامة الأولى و الثالثة على أطراف العراق الغربية كموصل و بلاد الجزيرة فإن قبلتها يناسب نقطة الجنوب و العلامة الثانية على أوساط العراق كبغداد و الكوفة و ما والاهما فإنه ينحرف قبلتها عن نقطة الجنوب نحو المغرب و البصرة أشد انحرافا و يقرب منها تبريز و أردبيل و قزوين و همدان و ما والاهما من بلاد خراسان و ذكر الفاضلان أن قبلة كوفة و خراسان واحد و فيه إشكال
و يستحب لهم التياسر قليلا إلى يسار المصلّي يعني إذا عين المصلي الجهة التي يجوز التوجه إليها برعاية العلامات المقررة و يستحب له التياسر قليلا و هذا الحكم مشهور بين الأصحاب و ظاهر الشيخ في النهاية و المبسوط و الخلاف الوجوب
و استدل عليه في الخلاف بإجماع الفرقة و برواية المفضل بن عمرو و يؤيّده مرفوعة علي بن محمد و قد مر ما في أوائل مبحث القبلة و الروايتان ضعيفا السند جدا و العمل بهما لا يؤمن معه من الانحراف اليسير عن سمت القبلة و هذا الحكم مبني على أن قبلة البعيد هي الحرم كما صرح به المحقق و احتمل المصنف اطراده على القولين و يحكى أن العلامة المحقق نصير الملة و الدين محمد بن محمد بن الحسن الطّوسي (قدس اللّٰه روحه) قد حضر مجلس درس المحقق نجم الدّين أبي القاسم جعفر بن سعيد فكان مما جرى في درسه هذه المسألة فأورد عليها إشكالا حاصله أن التياسر أمر إضافي لا يتحقق إلّا بالإضافة إلى صاحب يسار يتوجه إلى جهة فإن كانت تلك الجهة محصلة لزم التياسر عما وجب التوجه إليه و هو حرام لأنه خلاف الآية و إن لم تكن محصلة لزم عدم إمكان التياسر إذ تحققه موقوف على تحقق الجهة التي يتياسر إليها فكيف يتصور الاستحباب
و أجابه المحقق ره في الدرس بما اقتضاه الحال ثم كتب في ذلك رسالة استحسنها المحقق الطوسي ره و الرسالة بتمامها منقولة في كتاب المهذب البارع في شرح النافع و حاصل الجواب أن التياسر عن تلك الجهة المحصلة المقابلة لوجه المصلي حين استعمال العلامات المنصوبة لها استظهار في مقابلة الحرم لأن قدر الحرم عن يمين الكعبة يسير و عن يسارها متسع كما دلت عليه الرواية التي استند إليها الأصحاب في ذلك و إذ قد علم ضعف مستند هذا الحكم فترك الإطالة فيه أولى
و علامة أهل الشام جعل بنات نعش الكبرى و هي سبعة كواكب أربعة منها نعش و ثلاث بنات حال