ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢١٦
و لو ركع الماشي و سجد مع الإمكان كان أولى لصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة و الأفضل الصلاة عند الاستقرار لما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن٧قال سألته عن صلاة النافلة في الحضر على ظهر الدابة إذا خرجت قريبا من أبيات الكوفة أو كنت مستعجلا بالكوفة فقال إن كنت مستعجلا تقدر على النزول و تخوفت فوت ذلك إن تركت و أنت راكب فنعم و إلا فإن صلاتك على الأرض أحب إلي
و روى الشيخ في باب المواقيت من الزيادات في الموثق عن عمار الساباطي في حديث طويل و عن الرجل يكون عليه صلاة في الحضر هل يقضيها و هو مسافر قال نعم يقضيها بالليل على الأرض فأما على الظهر فلا قيل و إلى غير القبلة سواء كان في حال الركوب و المشي أم لا و القائل بذلك المحقق و هو المنقول عن ظاهر الخلاف و إليه ذهب المتأخرين و الظاهر جماعة من الأصحاب و صريح جماعة المنع و يدل على الأول الأصل و قوله تعالى في سورة البقرة وَ لِلّٰهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ فإن الظاهر و اللّٰه تعالى أعلم و للّه المشرق و المغرب لا يختص به مكان دون مكان كالكعبة أو غيره فبأي مكان تولوا وجوهكم فثم جهته التي أمر بها أو رضيها أو فثم قبلة اللّٰه
قال الشيخ الطّبرسي في مجمع البيان الوجه و الوجهة القبلة و يؤيد ذلك قول المحقق في المعتبر و قد استفاض النقل أنها في النافلة و في المنتهى و قد قال الصادق٧إنها في النافلة و نحو منه في التذكرة و نحوه قال الراوي عنهما٧كما نقل عنه فإن قلت لا ينحصر معنى الآية فيما ذكر فقد قيل في تفسيره وجوه منها ما قال صاحب الجوامع و صاحب الكشاف و البيضاوي و هو أن مجموع ما في جهة المشرق للّه ففي أي مكان قد فعلتم التولية أي تولية وجوهكم شطر القبلة فثم جهته التي أمر بها و رضيها و المعنى أنكم إذا صنعتم أن تصلّوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس فقد جعلنا لكم الأرض مسجدا فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها و افعلوا التولية فيها فإن التولية لا يختص بمسجد و لا مكان
و يؤيد ذلك قوله تعالى فيما قبل الآية وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ أن الآية و منها ما ذكره البيضاوي و هو أن المراد بأيّ مكان فعلتم التولية نحو المسجد الحرام فهناك وجه اللّٰه أي ذات اللّٰه يعلم و يرى
فيكون المراد بالوجه الذات كما في قوله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلّٰا وَجْهَهُ و قوله يُرِيدُونَ وَجْهَهُ و قوله يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلٰالِ وَ الْإِكْرٰامِ
و منها ما نقله الشيخ الطبرسي في مجمع البيان عن بعض المفسرين و هو أن معناه بأيّ مكان تولوا فثم اللّٰه يعلم و يرى فادعوه كيف توجهتم و على هذا التفسير للوجه يحتمل أن يكون المراد بأيّ مكان تولوا فثم اللّٰه أي يعلم و يعرف بالدلائل و الشواهد المنصوبة في البلاد و العباد و مشارق الأرض و مغاربها
و منها ما نقله الطبرسي أيضا عن بعض المفسرين و هو أن المراد فثم رضوان اللّٰه أي الوجه الذي يؤدي إلى رضوانه كما يقال هذا وجه الصواب و منها ما نقله صاحب الكشاف عن بعضهم و هو أن المراد فأينما تولوا للدعاء و الذكر و لم يرد الصلاة و في بعض التفاسير قال مجاهد و الحسن لما نزلت وَ قٰالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قالوا أين ندعوه فأنزل اللّٰه الآية و قال أبو العالية لما صرفت القبلة قال اليهود ليست لهم قبلة معلومة فتارة يصلون هكذا و تارة هكذا فنزلت و قيل نزلت في قوم غمت عليهم القبلة فصلوا إلى أنحاء مختلفة فلما أصبحوا تبينوا خطأهم و به روايتان من طريق العامة
و قال الصدوق في الفقيه و نزلت هذه الآية في قبلة المتحير ذكر ذلك بعد نقل صحيحة معاوية بن عمار السابقة فيحتمل أن يكون من كلام أبي جعفر٧و يحتمل أن يكون من كلام الصادق و الظاهر أنه لا يقول ذلك إلا عن رواية و الظاهر الأول يظهر ذلك عند التأمّل في سياق كلامه و روى الشيخ في التهذيب في آخر باب القبلة عن محمّد بن الحصين قال كنت إلى عبد صالح الرجل يصلي في يوم غيم في فلاة من الأرض و لا يعرف القبلة فيصلي حتى إذا فرغ من صلاته بدت له الشمس فإذا هو قد صلى لغير القبلة أ يعتد بصلاته أم يعيدها فكتب يعيدها ما لم يفته الوقت أو لم يعلم أن اللّٰه يقول و قوله الحق فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ
و الراوي ضعيف و قيل كان للمسلمين التوجه إلى حيث شاءوا في صلاتهم كما في مجمع البيان أو بين الصخرة و الكعبة كما في الكبير و كتاب الراوندي و فيه نزلت الآية ثم نسخت و قيل نزلت في التطوع على الراحلة حيث توجهت حال السفر
قال الطبرسي و هذا مروي عن أئمتنا٧و قال الشيخ في النهاية بعد نقل الآية و روي عن الصادق٧أنه قال هذا في النوافل خاصة في حال السفر و بالجملة إذا قام هذه الاحتمالات كلا أو بعضا سقط الاستدلال قلت الاحتمال الذي ذكرنا أقرب إلى ظاهر لفظ الآية لاشتمال هذه الاحتمالات على جهة بعد فلا يعدل عن الظاهر إلا لدليل
أمّا الاحتمال الأوّل فلأن حمل قوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا على معنى أي مكان تولوا وجوهكم إلى القبلة خلاف الظاهر بل المتبادر بأيّ مكان وليتم وجوهكم و قوله فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ لا يناسب هذا الحمل إذ ليس جهة اللّٰه ذلك المكان الذي وقعت التولية إليه
و أما الاحتمال الثاني فلأنه مشتمل على حمل الآية على أيّ معنى تولوا وجوهكم فيه إلى المسجد الحرام و هو خلاف الظاهر كما قلنا مع أن قوله فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ لا يستقيم على هذا الحمل إلا بضرب من التوسع و لا يجوز العدول عن الحقيقة إلا بدليل و لا دليل عليه هاهنا و من هاهنا يعلم بعد الاحتمال الثالث و الرابع و أما بعد الاحتمال الخامس فغير خفي و أما الاحتمال السّادس فلأنه تخصيص من غير دليل و ما قاله مجاهد و الحسن و أبو العالية غير ثابت و كذا التخصيص بالمتحير و التخصيص بالنافلة على الراحلة حال السفر و احتمال النسخ قول ضعيف لا شاهد عليه
و يدل على القول الثاني قول أبي جعفر٧في صحيحة زرارة السابقة لا صلاة إلا إلى القبلة و قد يستدل عليه بوجهين آخرين الأول أن العبادة متلقاه من الشارع و لم ينقل النافلة إلى غير القبلة إلى الاستقرار فيكون فعلها كذلك تشريعا محرما
الثاني أن المعلوم من فعل النبي٦و الأئمّة ذلك فيكون واجبا عملا بالتأسي و فيهما نظر
أمّا الأول فلأن عموم الأدلة المقتضية للامتثال لكل فرد من الطبيعة المطلوبة كاف في إخراج الفعل عن كونه تشريعا و توضيحه أن الظاهر المعروف بينهم أن استقبال القبلة خارج عن حقيقة الصلاة و ليست من أجزائها و حيث ثبت الاشتراط تخصصت طبيعة الصلاة المطلقة المطلوبة بنوع منه و حيث لم يثبت كانت المطلقة باقية على إطلاقها فيحصل الامتثال بكل فرد منها و لا يتوقف على بيان كل فرد بخصوصه قولا أو فعلا
أمّا الثّاني فلأن التأسي تابع للاطلاع على جهة الفعل فإن كانت هي الوجوب وجب و ذلك منتف هاهنا و هذه المسألة محل تردد فيحتمل القول بعدم جواز النافلة إلى غير القبلة تمسكا بالخبر و ترجيحا له على الآية فإن الآية و إن كانت لها ظهور في المدعى لكن ظهور ضعيف لا يقاوم ظهور الخبر في مدلوله و أما النقل الدال على أن المراد في الآية النافلة مطلقا فغير معلوم الصحة و القدر المعلوم منه معارض بنظيره أو قريب منه فيحتمل القول بالجواز ترجيحا للآية على الخبران قلنا بعدم مقاومة ظواهر أخبار الآحاد لظواهر الآيات إما مطلقا أو عند تأيد الآية ببعض الأخبار و إن كان ضعيفا كما فيما نحن بصدده
و يؤيده تطرق التخصيص إلى الخبر بخروج النافلة على الراحلة سفرا و حضرا كما بينا و لا يخفى أن مقتضى التردد في ترجيح المتعارضين هنا القول بالجواز إن قلنا أن استقبال القبلة ليست من حقيقة الصلاة لكن لو نازع فيه منازع و قال إنه إن كان أو احتمل ذلك اتجه القول بعدم الجواز تحصيلا للبراءة اليقينية من التكليف الثابت و الأوجه في هذا المقام العمل بالاحتياط
و لا يجوز ذلك أي الإتيان بالصلاة على الراحلة و إلى غير القبلة في الفريضة لا أعلم في ذلك خلافا بين الأصحاب
أمّا الثاني فقد مر الدليل عليه و أما الأول فقال المحقق في المعتبر إنه مذهب العلماء كافة سواء في ذلك الحاضر و المسافر و يدل عليه ما رواه الشيخ في التهذيب في أواخر باب الصّلاة المضطر من الزيادات في الإستبصار في باب المريض يصلي في محله في الحسن لثعلبة بن ميمون عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه قال لا يصلي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل به القبلة و يجزيه فاتحة الكتاب و يضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من شيء و يومي في النافلة إيماء
و ما رواه الشيخ في التهذيب في أواخر باب السفر من