ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢١٤
من اللّٰه في ذلك فلمّا أصبح و حضر وقت صلاة الظهر كان في مسجد بني سالم قد صلى من الظهر ركعتين فنزل جبرئيل فأخذ بعضده فحوله إلى الكعبة و أنزل عليه قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمٰاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ و كان قد صلّى ركعتين إلى بيت المقدس و ركعتين إلى الكعبة و في الفقيه نحو منه إلّا أنّه قال صلّى بالمدينة تسعة عشر شهرا و زاد أنّه بلغ الخبر مسجدا بالمدينة و قد صلّى أهله من العصر ركعتين فحوّلوا نحو القبلة فكانت أوّل صلاتهم إلى البيت المقدس و آخرها إلى الكعبة تسمّى ذلك المسجد مسجد القبلتين
و ما رواه الشيخ في الموثق عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه قال قلت له متى صرف رسول اللّٰه إلى الكعبة قال بعد رجوعه من بدور و ليس في طريق هذه الرّواية من يتوقّف في شأنه إلّا الطّاطري إذ هو واقفي لكنّه ثقة
و الظاهر أن هذه الرواية منقولة من كتاب القبلة له و قد نص الشيخ في الفهرست على أنّ الطّاطري روى كتبه عن الرجال الموثوق بهم و بروايتهم و في طريق هذه الرّواية وهب و هو مشترك بين الثقة و المجهول لكن رواية الطّاطري عنه يرجح كونه الثقة للوجه الذي أشرنا و عن أبي بصير عن أحدهما قال أنّ بني عبد الأشهل أتوهم و هم في الصّلوة قد صلّوا ركعتين إلى بيت المقدس فقيل لهم أن نبيّكم قد صرف إلى الكعبة فتحوّل النّساء مكان الرّجال و الرجال مكان النساء و جعلوا الرّكعتين الباقيتين إلى الكعبة فصلّوا صلاة واحدة إلى القبلتين فلذلك سمّي مسجدهم مسجد القبلتين
و ما رواه الكليني في الحسن لإبراهيم بن هاشم عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال سألته هل كان رسول اللّٰه يصلّي إلى بيت المقدس قال نعم فقلت كان يجعل الكعبة خلف ظهره فقال أمّا إذا كان بمكة فلا و أمّا إذا هاجر إلى المدينة فنعم حتّى حوّل إلى الكعبة احتج الشيخ ره بإجماع الفرقة و بما رواه عن عبد اللّٰه بن محمد الحجال عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّٰه٧أنّ اللّٰه جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد و جعل المسجد قبلة لأهل الحرم و جعل الحرم قبلة لأهل الدنيا
و مثله روى أبو الوليد الجعفي عن أبي عبد اللّٰه ٧ و مثله روى ابن بابويه في كتاب علل الشرائع بإسناد لا يخلو عن قوة عن أبي عبد اللّٰه٧و بان المحذور في استقبال عين الكعبة لازم لمن أوجب استقبال جهتها لأن لكلّ مصلّ جهة و الكعبة لا تكون في الجهات كلّها و لا كذلك التوجّه إلى الحرم لأنّه طويل يمكن أن يكون كلّ واحد متوجها إلى جزء منه و في أدلّة الطّرفين نظر
أمّا الأوّل فلعدم صحّة الروايات مع معارضتها بالأخبار الأخيرة المعتضدة بالشهرة و بما رواه الكليني عن علي بن محمد رفعه قال قيل لأبي عبد اللّٰه٧لم صار الرجل ينحرف في الصّلاة إلى اليسار فقال لأن الكعبة ستة حدود أربعة منها على يسارك و اثنان منها على يمينك فمن أجل ذلك وقع التحريف على اليسار و نقله الشيخ في التهذيب و زاد عليه و سأل المفضل بن عمر أبا عبد اللّٰه٧عن التحريف لأصحابنا ذات اليسار عن القبلة و عن السبب فيه فقال إن الحجر الأسود لما أنزل به من الجنّة و وضع في موضعه جعل أنصاب الحرم من حيث يلحقه النور نور الحجر فهي عن يمين الكعبة أربعة أميال و عن يسارها ثمانية كلّه اثنا عشر ميلا فإذا انحرف الإنسان ذات اليمين خرج عن حد القبلة لقلّة أنصاب الحرم و إذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجا عن حد القبلة
و رواه ابن بابويه في كتاب علل الشرائع مسندا عن المفضل بإسناد ضعيف
و يمكن حمل الأخبار الدالّة على المسامحة في التأدية من حيث إن الكعبة أشرف أجزاء الحرم و أعظمها و المنظور إليه و هي المفخر و المطاف و المزار و يعين على هذا كون الكعبة قبلة عند جمهور العامة فلعلّه تسامح٧في التأدية لئلا يخالف ظاهر الكلام مذهب جمهور العامّة فإنه أقرب إلى الاحتياط و التقيّة و أمّا الأخبار فلمنع ثبوت الإجماع في محلّ النزاع و أمّا الروايتان فسندهما ضعيف جدا و حملهما الشهيد في الذكرى على أن المراد بالمسجد و الحرم جهتهما و إنما ذكرهما على سبيل التقريب إلى أفهام المكلفين إظهارا لسعة الجهة و قوله أن المحذور يلزم في إيجاب استقبال الجهة كما يلزم في عين الكعبة ممنوع لأنّا نعني بالجهة السمت الذي اقتضت التوجّه إليه رعاية الأمارات الشرعية لا نفس البينة و ذلك من الامتناع بمكان على أن الإلزام في الكعبة لازم في الحرم و إن كان طويلا و تحقيق المقام أنّ الأخبار من الطّرفين متعارضة فيمكن ترجيح الأخبار الأولة لقوة أسانيدها بالنسبة إلى الأخبار الكثيرة
و يمكن ترجيح الأخبار الأخيرة لاعتضادها بالشهرة و مخالفة العامة و كون التأويل فيها أبعد و الآية غير دالّة على أحد المذهبين لأن ظاهرها من اعتبار جهة المسجد مطلقا غير مطابق لشيء منهما فيحمل على أن المراد بالمسجد الكعبة لكونها مسجدا و الحرام صفة له كما في قوله تعالى الْبَيْتَ الْحَرٰامَ و تسميته للجزء باسم الكل لأنّ عنوان المسجد أحق برعاية التعظيم و أنسب باستحقاق التكريم من عنوان البيت و حينئذ يطابق القول الأول أو يحمل على أنّ المراد بالمسجد الحرام تسمية للكلّ باسم أشرف أجزائه إشعارا بالتعظيم أو المشاركة مع المسجد في وجوب الاحترام و لكونه مسجدا في الحقيقة كما نقل ذلك عن ابن عبّاس و عن عطار و منه في قوله تعالى فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ أنّ المراد بالمسجد الحرام الحرم
و عن ابن عباس أن المراد بالمسجد هنا الحرم و قيل ذلك في قوله تعالى سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ لإحاطته بالمسجد و شدّة البناء به و حينئذ يطابق القول الثاني و الترجيح الواضح لا يخلو عن إشكال فإذن ظهر من هذه الجملة أن المسألة محلّ تردّد و مقتضى التردّد و العمل بالقول الأوّل تحصيلا للبراءة اليقينية من التكليف الثابت و لا خفاء في بطلان القول الثاني أنّ قصد القائلون به ففي اعتبار الجهة و حيث اتفق الفريقان جميعا على أنّ فرض النائي التعويل على الأمارات ارتفعت ثمرة الخلاف بالنسبة إليهم
ثم الظاهر من مذهب الأصحاب و غيرهم أن فرض القريب استقبال العين و احتج عليه في المعتبر بإجماع العلماء كافّة على ذلك و إن لم يثبت الإجماع المذكور كان للمنازعة في الحكم المذكور طريق فإنّ مقتضى الآية الشريفة وجوب استقبال شطر المسجد و الشطر في اللّغة الجانب و الجهة و الناحية من البين أن تحصيله أهون مئونة من تحصيل مقابلة العين
ثم لا يخفى أن المعتبر بالنسبة إلى البعيد اعتبار الجهة و يدلّ عليه الآية و ما رواه المصنف في الصّحيح عن أبي جعفر ٧ أنّه قال لا صلاة إلّا إلى القبلة قلت له أين حدّ القبلة قال ما بين المشرق و المغرب قبلة كلّه و في الصحيح عن معاوية بن عمار أنه سئل عن الصّادق ٧ عن الرجل يقوم في الصّلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى أنّه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا فقال قد مضت صلاته و ما بين المشرق و المغرب قبلة
و ما رواه الشيخ بإسناد حسن و للأصحاب اختلاف كثير في تعريف الجهة و لا يكاد يوجد تعريف يسلم عن الخلل لكن هذا الاختلاف قليل الفائدة في أمر الدين بعد اتّفاق الكل على أنّ فرض البعيد رعاية العلامات المقررة و التوجّه إلى السّمت الذي عينه رعاية تلك العلامات فالأولى إناطة تعريفها بذلك و المستفاد من الأدلة الشرعية أنّ أمر القبلة هين مسامح سهل الخطب فيه و أنّه يكفي فيه التوجّه إلى ما يصدق عليه عرفا أنّه جهة المسجد و ناحيته
و الذي يدلّ على ذلك الآية و قول أبي جعفر و الصّادق٧ما بين المشرق و المغرب قبلة و قوله ٧ ضع الجدي على قفاك و صلّ فإن بناء الأمر على هذه العلامة التي تختلف بحسب اختلاف المواضع اختلافا فاحشا فيه من التوسعة ما لا يخفى و خلوّ الأخبار عمّا زاد على ذلك و كذا كتب الأقدمين مع شدّة الاحتياج و توفّر الدّواعي على النقل و المعرفة و عموم إشفاقهم بالنسبة إلى شيعتهم مما يؤيّد ذلك
و الظاهر أنّه يجب الاستعانة بعلم الهيئة و تعلّم مسائله لأنّه علم دقيق مسائلها مبنية على مقدّمات دقيقة يحتاج تحصيلها إلى زمان طويل و تحمّل إتعاب بالغ و التكليف بذلك لجمهور النّاس مخالف لما يعلم من قوانين الشرع مباين للشريعة السهلة السمحة و لو كان ذلك واجبا لكان الظاهر منه أن يكون في طريق الأصحاب خيرا و يجيء به أثر فلمّا لم يكن في الأخبار و لا عمل المتقدّمين علمنا انتفاءه مع أنّ غاية ما يحصل منه بعد بذل تمام السعي التخمين لا العلم و اليقين الثاني جهة القبلة هي الكعبة لا البينة