ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٩٣
و الرواية مرسلة لكنها معتضدة بأحاديث كثيرة يعضدها عمل الأصحاب و الاعتبار
و أنت خبير بما فيه و قال الشهيد في الذكرى كل خبر فيه غيبوبة القرص محمول على ذهاب الحمرة حملا للمطلق على المقيد
و الجواب أن هذا الحمل إنما يتعين إذا انحصر طريق الجمع فيه و إنما يصح إذا لم يكن في المقام حمل أقرب منه و غير خاف أن بقاء الأخبار الصحيحة الواضحة الدّالة على أن أول الوقت استناد القرص و ارتكاب تأويل الاستحباب فيما رواه مما ليس مثلها في القوة و الصّحة أقرب ثم استشهد الشهيد لاعتبار ذهاب الحمرة بما رواه الكليني عن ابن أبي عمير مرسلا عن الصّادق ٧ قال وقت سقوط القرص و وجوب الإفطار أن تقوم بحذاء القبلة و نتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق إذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الإفطار و سقط القرص
قال و هذا صريح في أن زوال الحمرة علامة سقوط القرص و مراسيل ابن أبي عمير في قوة المسانيد و تبعه في ذلك الشيخ علي و لا يخفى أن جهة التوقف في هذا الخبر ليس منحصرا في إرسال ابن أبي عميرة و قبول مرسلاته إنما تنفع لو صح السند إليه و الأمر ليس كذلك لأن في طريقه إلى ابن أبي عمير سهل بن زياد و محمد بن عيسى و جهة التوقف فيهما معلوم و الشارح الفاضل زعم وجود أخبار صحيحة دالة على اعتبار الحمرة و نقل منها قول الباقر ٧ المذكور في رواية بريد و قول الصادق ٧ المذكور في مرسلة ابن أبي عمير
ثم قال و هذا الحديث دل على أن سقوط الحمرة علامة سقوط القرص و هو موافق للاعتبار فإن المراد بسقوط القرص و غيبوبة الشمس سقوطه عن الأفق المغربي لا خفاؤها عن أعيننا لأن ذلك يحصل بسبب ارتفاع الأرض و الماء و نحوهما فإن الأفق المغربي غير مرئي غالبا
و لا يخفى ضعف هذا الكلام أمّا أولا فلما عرفت من الكلام في صحة الروايتين و أما ثانيا فلأن غيبوبة الشمس عن الأفق الحقيقي في الأرض المستوية حسنا إنما يتحقق بعد غيبوبتها عن الحس بمقداره دقيقة تقريبا و هذا أقل من ذهاب الحمرة المشرقية بكثير فموافقة الخبر للاعتبار منظور فيه احتج ابن أبي عقيل على ما نقل عنه المصنف في المختلف بصحيحة إسماعيل بن همام قال رأيت الرضا ٧ و كنا عنده لم يصل المغرب حتى ظهرت النجوم قال فصلى بنا على باب دار أبي محمود
و أجاب أنه حكاية فعل فلعله٧فعل ذلك لعذر لا أنه وقت موظف و يمكن الحمل على الاستحباب أيضا و لا يخفى أن رواية محمد بن علي السّابقة أنسب بمذهب ابن أبي عقيل و قد مر الجواب عنه
و مما ذكرنا ظهر أن القول بدخول الوقت باستتار القرص و استحباب التأخير إلى ذهاب الحمرة قوي فإن قلت ما الوجه في صحيحة بكر بن محمد عن أبي عبد اللّٰه٧قال سأله سائل عن وقت المغرب فقال إن اللّٰه تعالى يقول في كتابه لإبراهيم ٧ فَلَمّٰا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأىٰ كَوْكَباً فهذا أول الوقت و صحيحة إسماعيل بن همام السابقة في احتجاج ابن أبي عقيل و صحيحة زرارة قال سألت أبا جعفر٧عن وقت إفطار الصائم قال حين يبدو ثلاثة أنجم قلت أما الأولى فالوجه فيه الحمل على الاستحباب و شهد له رواية شهاب بن عبد ربه السابقة و كذا الثالثة
و أما الثانية فيجوز أن يكون تأخيره٧للاستحباب و يجوز أن يكون الفرض منه بيان الترخيص فإن قلت فما وجه الجمع بين هذه الأخبار و بين مرسلة محمد بن أبي حمزة عمن ذكره عن الصادق٧قال قال ملعون من أخر المغرب طلبا لفضلها و موثقة صباح بن سيابة و أبي أسامة السابقة الدالة على إنكار تأخير المغرب إلى طلوع الكواكب و موثقة أبي أسامة السابقة الدالة على منع تأخيرها حتى تستبين النجوم قلت قد ورد في أخبار متعدّدة إنكاره٧تأخير أبي الخطاب صلاة المغرب ففي بعضها حتى تغيب الشفق و في بعضها حتى تشتبك النجوم و في بعضها أن الإنكار باعتبار أذاع ذلك و أنشأه و كان الغرض خفاء ذلك لكونه مخالفا لمذهب العامة و طريقتهم كما يفهم ذلك من رواية جارود
و إذا عرفت هذا فيمكن أن يقال التأخير في رواية ابن أبي حمزة مقيد بأحد الصور المذكورة فيكون المعنى ملعون من أخر المغرب على أحد الوجوه المذكورة كما هو عادة أبي الخطّاب و أصحابه و حينئذ يحتمل أن يكون الموصول للعموم و يمكن أن يكون ورد ذلك في زمان اشتدت التقية فلزم الأمران عن التأخير و دفع الذم البالغ على المخالفة أو قاله٧تقية
و أما خبر أبي أسامة فقد قيل في توفيقه وجوه أحدها أن يكون المراد من قوله تستبين النجوم معنى تشتبك بقرينة نسبته الفعل إلى أبي الخطاب و قد ورد في صحيحة ذريح حكاية التأخير إلى اشتباك النجوم عن أصحاب أبي الخطاب و ربما كان ذلك مرادا في اللفظ أيضا فصحّف لما بين اللفظين ذا لحظ من التقارب الثاني أن يكون المراد بالاستبانة زيادة الظهور بمعونة زيادة مباني الفعل و هو معنى زائد على أصل حصوله المستفاد من خبر ابن همام الثالث ملاحظة التقية و هو حسن
و أما موثقة صباح و أبي أسامة أيضا و إنما ارتكبنا التأويل في هذه الأخبار دون الأخبار الأولة لقوّة الأخبار إسنادا فيضعف هذه الأخبار عن مقاومتها و لكون هذه الأخبار أقبل للتأويل
ثمّ لا يخفى أن المراد باشتباك النجوم ظهور الجميع أو كثرة اختلاط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها قاله ابن أثير و على هذا فلا منافاة بين خبر إسماعيل بن همام و بين ما دل على إنكار تأخير المغرب حتى تشتبك النجوم على أن يكون المراد بظهور النجوم إرادة العدد القليل الذي يصدق معه مسمى الجميع على سبيل المجاز و هو في قوة روية الكوكب أو كان المراد ظهورا لا يصل إلى حد الاشتباك فإن قلت موثقة ليث السّابقة المنقولة عن علل الشرائع تدل على رجحان صلاة المغرب في أول الوقت و كذا ما سيجيء من الأخبار الدالة على أن للمغرب وقتا واحدا و هذا ينافي ما اخترت من استحباب التّأخير فما وجه الجمع قلت لعل المراد برواية ليث أنّ النّبي٦إذا غربت الشمس لا يشتغل بشيء بل كان في تهية صلاة المغرب و انتظار فعله و كان همه ذلك و هذا غير مناف للتأخير
و أما ما دل على أن للمغرب وقتا واحدا فسيجيء تحقيقه على وجه ترتفع المنافاة
و اعلم أن الشهيد في الذكرى نقل روايتي بكر بن محمد و إسماعيل بن همام و قال إنها نادرة و محمولة على وقت الاشتباه أو الضّرورة أن على مدها حتى يظهر النجوم فيكون فراغه عند ذلك كما قاله الشيخ و يعارضه خبر أبي أسامة ثم نقل مرسلة ابن أبي حمزة و أورد عدة- أخبار تتضمن إنكار تأخير المغرب إلى ذهاب الشفق و يرد عليه أن حديث بكر بن محمد غير قابل لشيء من التأويلات التي ذكرها و لا لها به مناسبة بوجه و خبر إسماعيل محتمل لحمل الضرورة على بعد و في معناهما حديث شهاب بن عبد ربه لكنه قابل للتحمل على الفراغ لا الشروع على بعد و قد يظن أنه صريح في الحكم غير قابل للتأويل
و أما مرسلة ابن أبي حمزة فقد ظهر الوجه و كذا معارضة خبر أبي أسامة و أما ما يتضمن إنكار تأخير المغرب إلى ذهاب الشفق فلا يعارض الأخبار السّابقة بوجه و قال بعض المتأخرين بعد نقل صحيحة بكر بن محمد
و يمكن حملها على وقت الاشتباه كما يشعر به رواية علي بن الريان قال كتبت إليه الرجل يكون في الدار يمنعه حيطانها النظر إلى حمرة المغرب و معرفة مغيب الشفق و وقت صلاة العشاء الآخرة متى يصليها و كيف فوقع عليه يصليها إذا كان على هذه الصفة عند قصر النجوم و العشاء عند اشتباكها و بياض مغيب الشفق
و ذكر الشيخ في التهذيب أن معنى قصر النجوم بيانها و لا يخفى بعد هذا الحمل و عدم مناسبتها ثم لا يخفى أن المفهوم من كلام الشيخ في المبسوط و حصول الاستتار و دخول الوقت و إن بقي شعاع الشمس على رءوس الجبال و المنارة العالية و قال المصنف في التذكرة هو أي الغروب ظاهر في الصّحاري و أما في العمران و الجبال فيستدل عليه بأن لا يبقى شيء من الشعاع على رءوس الجدران و قلل الجبال و هو حسن و إن أمكن المنازعة فيه
الثانية المشهور بين الأصحاب امتداد وقت المغرب للمختار إلى انتصاف الليل مقدار العشاء على الخلاف السّابق نظيره في الظهرين و هو اختيار ابن الجنيد و ابن زهرة و ابن إدريس و جمهور المتأخرين و نقل ابن زهرة إجماع الفرقة عليه و قال المفيد آخر وقتها غيبوبة الشمس و هو الحمرة في المغرب و المسافر إذا جد به السير عند المغرب فهو في سعة من تأخيرها إلى ربع اللّيل و بنحو منه قال الشيخ في النهاية
و قال ابن حمزة و هو المنقول عن أبي الصّلاح و قال في الخلاف آخره غيبوبة الشفق و أطلق و كذا في الحمل على ما حكي عنهما و هو المحكي