ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٩٠
استنادا إلى ظاهر الأخبار المطلقة بدخول الوقتين إذا زالت الشمس و ضعف المتضمّن للاختصاص من الطرفين مع انتفاء القول بالفصل و يدفعه أن إطلاق دخول الوقتين مجاز على التقديرين
أما على تقدير الاختصاص ففي الاستناد باعتبار شدة القرب بين دخولهما و عدم الحد المعروف المنضبط بينهما فكأنهما بالزوال يدخلان معا و أما على تقدير الاشتراك ففي لفظ الوقتين بإرادة الواحد المشترك إذ لا تعدد حينئذ حقيقة و العلاقة واضحة و لا ترجيح للمجاز الثاني قط بل إما أن يرجح الأول أو يكونا متساويين و لا يتم التعلق بذلك الإطلاق في القول بالاشتراك إلّا إذا ثبت رجحان مجازه و مع انتفاء صلاحيته للدلالة على الاشتراك يجب الوقوف في إثبات التوقيت من الأول و الآخر مع موضع اليقين و هو ما بعد القدر المختص من الأول بالنسبة إلى العصر و ما قبله من الآخر بالنّسبة إلى الظهر و فيه نظر لأن أكثر الأخبار الدالة على الاشتراك خالية عن لفظ الوقتين بل فيهما وقت الصّلاتين كصحيحة محمد بن أحمد بن يحيى و غيرها
و أيضا الظاهر أن المجاز الثاني أرجح على الأول في أمثال هذه المقامات التي تعلق الغرض ببيان الحكم الشرعي إذ لا يقع بسببه اختلاف في الحكم غاية ما يلزم منه مسامحة في التأدية و الأمر فيها هين بخلاف المجاز الأول فإنه يقع بسببه اختلاف الحكم نعم لا يبعد رجحان المجاز الأول في غير هذه المواضع ثم قوله على تقدير انتفاء الصلاحية للدلالة يجب الوقوف في إثبات التوقيت على موضع اليقين مما يمكن المناقشة فيه إذ هو موقوف على تحقق أن إيقاع الصّلاة في الوقت المعين هل هو من الخصوصيات المقومة لماهية الصلاة أم هو من شرائطه و كأن الأقرب الثاني
و على الأول ما ذكره وجه بناء على أن وقوع التكليف بالصّلاة يستدعي العلم بالبراءة و على الثاني لا يتم كلامه إلّا إذا قلنا بأن المراد بالصّلاة المأمور به في ألفاظ الشرع الصّلاة الجامعة لشرائط الصحة لا الماهية المطلقة و على هذا التقدير نقول التكليف بماهية الصّلاة مطلق لا يتقيد بالاشتراط بشيء إلا بحسب اقتضاء الدليل لم يقتض تقييدا زائدا على إيقاع الفعل فيما بين الزوال و الغروب
و يمكن دفعه بأن النصوص دلت على وجوب إيقاع الصلاة في وقت معين المعلوم عند الشارع و اشتراط صحتها به فهي مقيدة للتكليف بمطلق الصّلاة فمطلق الصّلاة المأمور به متقيد بالصّلاة المتحققة في وقتها المقدر شرعا و تحصيل البراءة اليقينية يتوقف على تحصيل الفرد المتيقن على ما حققناه في موضعه نعم لو كان منشأ التقييد مجرد الإجماع كان التقدير مقتدرا بقدره
و لقائل أن يستدل بالآية على الاشتراك و حينئذ لا يتم هذا الكلام على التقديرين لكن في الاستدلال بالآية نظر أشرنا إليه و المسألة محل تأمّل و الميل إلى الاشتراك غير بعيد لظهور الأخبار المذكورة فيه من غير معارض قوي يوجب العدول عن ظاهرها و الأخبار الدالة على أن الحائض إذا طهرت قبل الغروب تصلي الصّلاتين لا تخلو عن تأييد ما و كذا قوله٧في صحيحة زرارة و إن كنت صليت العشاء الآخرة و نسيت المغرب فقم فصل المغرب
و في صحيحة صفوان و قد سأله عن رجل نسي الظهر حتى غربت الشمس و قد كان صلى العصر إن أمكنه أن يصليها قبل أن يفوته المغرب بدأ بها و إلّا صلى المغرب ثم صلاها لا تخلو عن تأييد ما و لا يمكن الاستدلال بها لأن نسيان الأول في أول الوقت نادر جدا و ليس للرواية عموم واضح بالنّسبة إلى الأفراد النادرة المستبعدة خصوصا الرواية الأخيرة فإن الجواب فيها تابع للسؤال و المنساق منه ما كان من الصور الشائعة لا النادرة المستغربة و العموم في أمثال هذه المواضع متخرج من قرائن الأفعال و ترك الاستفصال فيكون متقدّرا بقدرها
و اعلم أنه يتفرع على القول بالاشتراك و الاختصاص أمور كثيرة كمن صلى العصر في الوقت المختص ساهيا أو صلى الظهرين ظانا دخول الوقت ثم اتفق الوقت العصر في المختص فعلى القول بالاشتراك يصح العصر و على القول بالاختصاص يبطل و كمن ظن ضيق الوقت إلا عن أداء العصر فإنه يتعين عليه الإتيان بالعصر فإذا صلى ثم تبين الخطأ و لم يبق من الوقت إلّا مقدار ركعة مثلا فحينئذ يجب عليه الإتيان بالظهر أداء على القول بالاشتراك حسب و كمن أدرك من آخر وقت العشاء مقدار أدائها فإنه يجب العشاءان على القول بالاشتراك و يتعين العشاء على الآخر و كمن صلى الظهر ظانا سعة الوقت ثم تبيّن الخطأ و وقوعها في المختص بالعصر فحينئذ يجب قضاؤهما على القول بالاختصاص حسب
و يتفرع على هذه المسألة أحكام في الحلف و النذر و تعليق الظهار و أمثالها
السادسة زوال الشمس ميلها عن وسط السماء و انحرافها عن دائرة نصف النهار و لمعرفة ذلك طرق منها زيادة الظل بعد نقصه أو حدوثه بعد عدمه بيان ذلك أن الشمس إذا طلعت وقعت لكل شاخص قائم على الأرض بحيث يكون عمودا على سطح الأفق ظلّ مستطيل في جانب المغرب و كلما ازدادت الشمس ارتفاعها ازداد الظل نقصا إلى أن تصل الشمس دائرة نصف النهار و هي دائرة عظيمة موهومة تفصل بين المشرق و المغرب تقاطع دائرة الأفق على نقطتين هما نقطتا الجنوب و الشمال و عند ذلك ينتهي نقصان الظل المذكور فإذا زالت الشمس و مالت عن دائرة نصف النهار و يريد الظل بعد نقصانه أو يحدث بعد انعدامه و هو أول الوقت و من حاول اعتبار ذلك أخذ مقياسا و يقدر ظله عند قرب الشمس من الاستواء ثم تصير قليلا فإذا كان الظل أقل من الأول أو كان مثله فإلى الآن لم تزل و إلّا زالت و قد وقع هذا الاعتبار في الأخبار
روى سماعة قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧جعلت فداك متى وقت الصّلاة فأقبل يلتفت يمينا و شمالا كأنه يطلب شيئا فلما رأيت ذلك تناولت عودا فقلت هذه تطلب قال نعم فأخذ العودة فنصب بحيال الشمس ثم قال إن الشمس إذا طلعت كانت الفيء طويلا ثم لا يزال نقص حتى يزول فإذا زالت زادت فإذا استنبطت الزيادة فصل الظهر ثم تمهل قدر زراع و صل العصر
و روى علي بن أبي حمزة قال ذكر عند أبي عبد اللّٰه زوال الشمس قال فقال أبو عبد اللّٰه٧يأخذون عودا طوله ثلاثة أشبار و إن زاد فهو أبين فيقام فما دام ترى الظل ينقص فلم تزل فإن زاد الظل بعد النقصان فقد زالت و منها ميل الشمس إلى الحاجب الأيمن لمن يستقبل القبلة و المراد بها قبلة أهل العراق و هذا إنما يستقيم في أطراف العراق الغربية التي قبلتها نقطة الجنوب فإن الشمس عند الزوال في دائرة نصف النهار المتصلة بنقطتي الجنوب و الشمال فيكون بين عيني مستقبل نقطة الجنوب فإذا زالت مالت إلى طرف الحاجب الأيمن و أما أوساط العراق و أطرافه الشرقية فقبلتهم مائلة عن نقطة الجنوب نحو المغرب فلا يميل الشمس إلى الحاجب الأيمن لمستقبل فيها إلّا بعد مضي زمان طويل من الزوال قال الشيخ في المبسوط و قد روي أن من يتوجه إلى الركن العراقي إذا استقبل القبلة و وجد الشمس على حاجبه الأيمن علم أنها قد زالت
و يعلم منه أن هذا الاعتبار أيضا موجود في الروايات و يمكن معرفة الزوال بالدائرة الهندية و الأسطرلاب و غيرهما ذكر ذلك المفيد و غيره السابقة أول وقت العصر بعد الفراغ من الظهر بإجماع علمائنا نقل ذلك في المعتبر و المنتهى و كثير من الروايات السابقة تدلّ عليه
و يؤيده بيانا ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة قال قلت لأبي جعفر٧بين الظهر و العصر حد معروف قال لا و روى زرارة عن أبي عبد اللّٰه قال إن النبي٦جمع بين الظهرين حين زالت الشمس في جماعة من غير علة و الأخبار في هذا الباب كثيرة و يستحب التأخير بمقدار أداء النافلة كما سيجيء بيانه و هل يستحب حتى يصير الظل على أربعة أقدام أو يصير ظل كل شيء مثله سيجيء تحقيق ذلك إن شاء اللّٰه
الثامنة اختلف الأصحاب في آخر وقت العصر فقال المرتضى تمتد وقت الفضيلة إلى أن يصير الفيء قامتين و وقت الإجزاء إلى الغروب و إليه ذهب ابن الجنيد و ابن إدريس و ابن زهرة و جمهور المتأخرين فقال المفيد تمتد وقتهما إلى أن يتغير لون الشمس باصفرارها للغروب و المضطر و الناسي إلى الغروب
و قال الشيخ في الخلاف آخره إذا صار ظل كل شيء مثليه و قال في المبسوط إذا صار كلّ شيء مثليه للمختار و للمضطر إلى غروب الشمس و هو المنقول عن ابن البراج و أبي الصّلاح و ابن حمزة و ظاهر سلار و عن ابن أبي عقيل أن وقته إلى أن ينتهي الظل ذراعين