دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٠٠ - ما هو المراد من الإمكان و الأولويّة في قولهم الجمع مهما أمكن أولى من الطرح؟
قال الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي في غوالي اللآلئ، على ما حكي عنه: «إنّ كلّ حديثين ظاهرهما التعارض يجب عليك أوّلا البحث عن معناهما و كيفيّة دلالة ألفاظهما، فإن أمكنك التوفيق بينهما بالحمل على جهات التأويل و الدلالات، فاحرص عليه و اجتهد في تحصيله، فإنّ العمل بالدليلين مهما أمكن خير من ترك أحدهما و تعطيله بإجماع العلماء، فإذا لم تتمكّن من ذلك أو لم يظهر لك وجهه، فارجع إلى العمل بهذا الحديث- و أشار بهذا إلى
بمقتضى القواعد الأخر، و هذا القسم من الجمع إنّما هو في طرق الأحكام، و محلّ الكلام إنّما هو الجمع بالمعنى الثاني و الثالث دون الأوّل.
[ما هو المراد من الإمكان و الأولويّة في قولهم: الجمع مهما أمكن أولى من الطرح؟]
و أمّا المراد بالإمكان، فهو الإمكان العرفي في مقابل الامتناع عندهم، مثلا إرادة خلاف الظاهر من أحد الدليلين مع القرينة ممكنة عندهم، و بدون القرينة و الشاهد ممتنعة، و قيل:
إنّ المراد من الإمكان هو الإمكان العقلي، فحينئذ يمكن الجمع بين الدليلين بالتصرّف في أحدهما أو في كليهما في أكثر الموارد لو لم نقل في جميعها.
ثمّ المراد من الأولويّة هو الوجوب، فمفاد قاعدة الجمع هو أنّ الجمع مهما أمكن واجب فلا يجوز الطرح.
و بالجملة، إنّ المراد بالأولى هو الواجب كما في آية: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [١] فلا يكون الأولى بمعنى التفضيل، و لم يفهم صريحا من كلامهم أنّ المراد أولويّة الجمع من الطرح في جميع الموارد- أعني: في النصّ و الظاهر، و الظاهر و الأظهر، و الظاهرين- مطلقا، أي: سواء كان الجمع محتاجا إلى تأويل كلا الدليلين معا أو إلى تأويل واحد منهما لا بعينه، و سواء كان بين الدليلين تباين كلّي أو جزئي أو عموم و خصوص مطلق، و إن تداخل بعض الأقسام في بعضها الآخر و إطلاق كلامهم يشمل ما ذكر كلّه، كما أنّه يشمل ما ذكره المصنف (قدّس سرّه) من أنّ الجمع مع وجود المرجّح أولى من الترجيح و مع عدمه أولى من التخيير، بل يشمل كلامهم ما إذا كانا نصّين في الدلالة أيضا مع عدم إمكان تصديق كليهما معا في تمام مدلولهما، كما يظهر من تمثيلهم بالبيّنتين و الحكم بتنصيف دار تداعى الاثنان فيها، على ما سيأتي مع إشكال فيه كما في التنكابني.
و أمّا مورد القاعدة فالمتيقّن منه هو ما إذا كان بين الدليلين عموم مطلق و ما في حكمه.
[١] الأنفال: ٧٥.