العروة الوثقى - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٢١٠ - مقدمةفي آداب السفر ومستحباته لحج أو غيره
وقال لعيسى بن أبي منصور: «يا عيسى! إنّي أحبّ أن يراك اللَّه فيما بين الحجّ إلى الحجّ وأنت تتهيّأ للحجّ».
ومنها: أن لا يخرج من الحرمين الشريفين بعد ارتفاع النهار إلّابعد أداء الفرضين بهما.
ومنها: البدأة بزيارة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لمن حجّ على طريق العراق.
ومنها: أن لا يحجّ ولا يعتمر على الإبل الجلّالة، ولكن لا يبعد اختصاص الكراهة بأداء المناسك عليها ولا يسري إلى ما يسار عليها من البلاد البعيدة في الطريق.
ومن أهمّ ما ينبغي رعايته في هذا السفر، احتسابه من سفر آخرته بالمحافظة على تصحيح النيّة وإخلاص السريرة وأداء حقيقة القربة والتجنّب عن الرياء والتجرّد عن حبّ المدح والثناء، وأن لا يجعل سفره هذا على ما عليه كثير من مترفّي عصرنا من جعله وسيلة للرفعة والافتخار، بل وصلة إلى التجارة والانتشار ومشاهدة البلدان وتصفّح الأمصار، وأن يراعي أسراره الخفيّة ودقائقه الجليّة كما يفصح عن ذلك ما أشار إليه بعض الأعلام: إنّ اللَّه تعالى سنّ الحجّ ووضعه على عباده إظهاراً لجلاله وكبريائه وعلوّ شأنه وعظم سلطانه، وإعلاناً لرقّ الناس وعبوديّتهم وذلّهم واستكانتهم، وقد عاملهم في ذلك معاملة السلاطين لرعاياهم والملّاك لمماليكهم، يستذلّونهم بالوقوف على باب بعد باب واللبث في حجاب بعد حجاب، وإنّ اللَّه تعالى قد شرّف البيت الحرام وأضافه إلى نفسه واصطفاه لقدسه وجعله قياماً للعباد ومقصداً يؤمّ من جميع البلاد، وجعل ما حوله حرماً وجعل الحرم آمناً وجعل فيه ميداناً ومجالًا وجعل له في الحلّ شبيهاً ومثالًا، فوضعه على مثال حضرة الملوك والسلاطين، ثمّ أذّن في الناس بالحجّ ليأتوه رجالًا وركباناً من كلّ فجّ وأمرهم بالإحرام وتغيير الهيئة واللباس شعثاً غبراً، متواضعين مستكينين رافعين أصواتهم بالتلبية وإجابة الدعوة حتّى إذا أتوه كذلك حجبهم عن الدخول وأوقفهم في حجبه يدعونه ويتضرّعون إليه حتّى إذا طال تضرّعهم واستكانتهم ورجموا شياطينهم بجمارهم وخلعوا طاعة الشيطان من رقابهم، أذن لهم بتقريب قربانهم وقضاء تَفَثهم ليطّهّروا من الذنوب التي كانت هي الحجاب بينهم وبينه وليزوروا البيت على طهارة منهم