محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٨١ - الخطبة الأولى
إلى آخر الطريق وهو شك يلف حياة الإنسان بكاملها، ويقف وراء اهتزازها من الأعماق ووراء قلقها وابتسارها، والوصف الآخر الملازم لهذه الحضارة أنها تحصر سعادة الإنسان في الإشباع المادي، وترى أنه كلما توفر الإنسان على أكبر قدر من المادة كانت سعادته أكبر، وكلما انغمر في الشهوات وفي لذائذ الحياة المادية كان أكثر هناءة من غيره، والواقع أمامكم يشهد على بطلان ذلك، وأنّ كثيراً ممن يجمعون أكبر أرقام المادة هم أتعس الناس حياة، وأكثرهم قلقاً، وأنّ اللذائذ إذا ما بولغ فيها قتلت الإنسان ووقفت به في ربع الطريق من عمره، لا يستطيع أن يلتذّ بهذه الحياة ولا يستطيع أن يعطي نتاجاً كالآخرين، الحياة تتحول شقاءً مرّاً من خلال السّرف في لذائذها، وشهواتها ولو في مقتبل العمر. فلا ربّ، ولا حياة أخرى، ولا قيم، وتحصر سعادة الإنسان في الإشباع المادي ... وتجعل أسفل الإنسان هدفاً، وأعلاه وسيلة. وأعلى الإنسان عقله وقلبه وروحه، يمكن أن تنشّط الحضارة المادية وتعطيها الإنطلاقة ولكن على خط المادة من أجل إنتاج مادي أكثر فقط، ومن أجل تبدخ مادي للبعض على حساب المجموع. إنّ وسيلة العقل، ووسيلة التفكير وسيلة من وسائل الحضارة المادية، وآلة من آلات الإشباع المادي، وحتى الدين يُمكن أن يُركب للذّة، وتلك هي فلسفة أمريكا التي ترى الدين مركباً من مراكب المصلحة والمنفعة المادية، وقد تُشجّع الدين في وطن دون آخر وعلى مستوىً من المستويات، وبالصياغة التي تخدم مصالحها، وقد تحارب الدين حين لا يخدم المصلحة أو يعارضها.
نعم، أمريكا في فلسفتها لا تعادي الدين دائماً وإنما تدجنه وقد تشجعه ولكن بالطريقة التي تخدم مصالحها، فهي يوماً تحارب الشيوعية، ويوماً تشجعها، ويوماً تحارب الدين ويوماً تشجعه، تحاربه في هذا البلد الذي يعني فيه الدين المواجهة للظلم والفساد، وتشجعه في البلد الآخر الذي استطاعت أن تلونه فيه ليكون خادم مصالحها، فالحضارة المادية من أوصافها الرئيسة أنها تجعل أسفل الإنسان هدفاً، وأعلاه وسيلة، مقياس التفاضل في هذه