محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤١ - الخطبة الأولى
حياة الإنسان على مرتبة واحدة. إحساسك بأكلك، بشربك، بما تلمس، بما ترى وراءه مرتبة من الحياة، شعورك بالألم النفسي، شعورك بالغبطة النفسية، بالغبطة الروحية وراءه مرتبة من الحياة ليست هي الأولى، وليست معها على صعيد واحد، تجاوزك للمحسوس لدائرة الكون الوسيع، النقلة التي تحدث في ذاتك إلى التفكير في عظمة المخلوق تقف من خلالها على عظمة الخالق، تفكيرك في المبدأ، تفكيرك في المصير وراءه مرتبة من الروح، وهي مرتبة ليست مع مرتبة الحس في مستوى، وليست منها في صعيد.
وهناك مراتب أخرى لهذا الإنسان على مستوى الروح، ومن مراتب الروح ما لا يبلغه الإنسان إلّا بالإيمان والعمل الصالح، (مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً).
من جمع بين الإيمان والعمل الصالح يتلقى حياة جديدة، وهذه الحياة الجديدة إنما تغنى بها روح جديدة، وليست الروح الحيوانية تقبل أن تحيا حياة طيبة فوق ما كانت تجد من استعداد، وهي لا يمكن أن تجد إلّا لذة حس، و إلّا معرفة حسية، أما المعارف الكبرى، أما الرؤية الكونية الحقيقية التي تستقر في النفس وتضيء كل أقطارها وجنباتها، أما معرفة الله والخلوص إليه فيحتاج إلى روح غير الروح الحيوانية، وغير الروح الفكرية الرياضية، إنها روح أكثر بلورة وأكثر شفافية وأقدر على الانطلاق والانفتاح، وهي على مراتب وكل مرتبة يمكن لك أن تطلق عليها روحاً جديدة، (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) موقعك في الجنة يتبع أكبر مرتبة روحية تصل إليها، وأطيب حياة تستعد روحك إليها. الروح الحيوانية، الروح الشيطانية، هذه لا يمكن أن تتلقى من فيوضات الله ما تتلقاه الأرواح الطاهرة، والقلوب الزكية، والنفوس التي بنتها معرفة الله وأضاء كل زاوية منها ذكر الله.
نحن هنا نصنع أنفسنا، نصنع ذواتنا. أمامنا أن نكتسب روحاً جديدة، أمامنا أن نرقى