محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤٢ - الخطبة الأولى
في مستوياتنا الروحية، أمامنا أن نبلغ مستوى الملائكة وأن نتجاوز مستوى الملائكة. الله أكبر ما أكثر الأوقات التي ننفقها على طريق الانحدار، والحياة فرصة للسمو وفرصة للصعود وفرصة لأن تكبر هذه الذات لا أقول مليون مرة وإنما ملايين المرات. ولا ريب في مولد حياة جديدة ومرتبة حياة مستجدة في العمل الصالح النابت على قاعدة الإيمان وليس من وقت يسمح بالشرح وانما هي خطوط عريضة.
الآية تعطي أيضاً أنّ مراتب من الحياة في عالم الروح طريقها العمل الصالح والإيمان فحسب، (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) وما من طريق آخر إلى الحياة الطيبة غير طريق الله، وطريق الله هو في الإيمان والعمل الصالح.
وكلما كانت مرتبة حياة راقية كلما كانت نعم ولذائذ راقية، الذين يبلغون عشق المعرفة، ينتهون إلى ضرب من اللذة لا يعرفه العالم كله، وفيما أتذكر من جامع السعادات في الأكثر أن أحدهم يقول: بأنه قرأ القرآن عشرين سنة مكابدة، يتحامل على نفسه ويأخذ بها على الطريق وان كرهته، يقرأ القرآن بلا لذة بلا عشق بلا انفعال كاف بلا تناغم ولكنه في منتهى العشرين وعلى درب طويل من الترويض، وعلى درب طويل من التربية، وعلى درب طويل من تلقي الهدايات صار من عشاق القرآن وصار يجد في القرآن أنسه، ويجد فيه راحته من كل متاعب الحياة، وعند القرآن تفارقه كل الهموم إلّا الطموح الكبير والهمّ الكبير: المزيد من معرفة الله، المزيد من قربه إلى الله.
(وَ مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى) ٧٥ طه. تأكيد لما سبق فان الذات الحقيرة غير صالحة، ولا مؤهلة لتلقي النعم الكبيرة. أترى حشرة صغيرة تلتذ بصلاتك التي تصليها أنت بفهمك بروحيتك التي لا تملكها هي؟! أتراني أنا ألتذ بالصلاة بروحي العادية التذاذَ أمير المؤمنين (ع) بروحه العالية؟! أترى أحدنا حين يتصدق يشعر بالسمو واستنارة الذات كما يكون لأحد الأولياء الكبار وأحد السادة المعصومين