محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٢ - الخطبة الثانية
فإن شعوب الأمة الإسلامية قد تفاقم في داخلها الشعور بأنها لا تتبوأ مكانتها اللائقة، وأن الفارق بن حجمها الحضاري وحجمها الواقعي كبيرً جداً، وقد دخلها الشعور بضرورة الانتفاض على واقعها المهين، الذي فقدت من خلاله الأمة كلها وزنها وكرامتها. وهذه الشعوب لا زالت تتلمس الطرق، وتجرّب الواحد تلو الآخر بحثاً عن الوزن المفقود والكرامة الضائعة، وأكبر ما صعب على العالم الغربي المستفيد من تخلف الأمة أن تفكر بعض شرائحها في العودة للإسلام لا عن طريق الارهاب للأبرياء الذي ينفيه الإسلام نفسه، وإنما حتى عن طريق الديموقراطية التي يؤمن بها الغرب نفسه والتي لم يصبر على نتيجتها في الجزائر عندما جاءت ورقةً موجبةً لصالح الإسلام. وأيُّ ديموقراطية يُتوقع لها بحسب المعادلات الخارجية، والظروف الموضوعية أن تحقق نتيجة كالتي حقّقتها في الجزائر فهي ممنوعة بقرار غربي متغطرس، فضلًا عما يدعو إليه واقع المصالح التقليدية داخل الأمة من رفض لديموقراطية تؤدي إلى هذه النتيجة.
شمولية اطروحة السماء لكل مقوم نهضة
الشعور بضرورة الخروج من أسر الواقع المتردي .. واقع التخلف والتبعية للأجنبي المعادي، يمثل بداية نهضة داخلية مباركة على مستوى الشعور، وهو أمرٌ وراءه خلفيّة حضارية ثرّة، وميراث حضاري كبير، ورموز مشعة على طول الطريق، وتحضيرات تربوية متصلة بمستوى وآخر، وضغط فائق من واقعٍ مأساويٍ مناف لكرامة الإنسان القادر على إدراك ذاته، والشعور بقيمة إنسانيته. وهذا مجرد بداية تحتاج إلى وعي نظري لقيمة الاطروحات المختلفة، وما تمتاز به الأطروحة السماوية عن غيرها في كل المقارنات، وإلى وعي عملي يستوعب عطاء كل التجارب التاريخية التي عاشتها الأمة على مستوى المناهج الأرضية المختلفة، إلى جانب ما تحتاجه كلُّ نهضة من مقومات أخرى ضرورية.
فالمناهج الأرضّية بكل مقاساتها ضيقة وخانقة بالنسبة لحجم الإنسان: ابعاد ذاته،