محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٢٢ - الخطبة الثانية
هذا من ناحية النظر والواقع في مسألة الولاية على المستوى الديني والعقلائي. ولا يخلو مجتمع بدوي ولا مجتمع مدني من ممارسة الولاية وصلاحيات الحكومة؛ فمن رئيس القبيلة إلى الوزير ورئيس الوزراء ورئيس الجمهورية والملك والأمير فكلّ أولئك يمارسون نوعاً من الولاية على الآخرين، والمقولة الشيوعية التي بشرت بمجتمع لا حكومة فيه سقطت بعد خطوات قليلة من انطلاقها وقبل أن تصل إلى مثل هذا الخيال الموغل في الخيالية بمسافة طويلة. وهناك الولاية اللابدية على الطفل والمجنون والولاية على السفيه ومختلف القاصرين.
وإذا كان الأفراد في أنفسهم ناضجين راشدين لا يحتاجون إلى ولاية تفرض عليهم، فإن الحالة الاجتماعية والكيان الاجتماعي، والموجود الاجتماعي بما هو كيان اجتماعي وموجود اجتماعي قاصر عن تدبير شؤونه، وتنظيم علاقاته، ورعاية مصالحه إلا من خلال مجموعة من الأفراد يتصدون لإنجاز هذه الوظائف، ولا بد لهذه المجموعة هي كذلك ممن يشرف على تنظيم العلاقة داخلها وتنفيذ الأوامر في تدبير شؤونها، لأنها بما هي حالة اجتماعية ووجود اجتماعي تكون قاصرة وإن كان أفرادها هم أكثر الناس نضجا ورشدا وعلما وخبرة. وهكذا ينتهي الأمر إلى ضرورة الحكومة والولاية، والولاية تنصب صلاحيات التصرف من صاحبها على البعد الاجتماعي للأفراد، وما يتعلق بجانب الشخصية الاجتماعية لهم الذي يؤثر على صالح المجموع بصورة سلبية أو ايجابيَّة.
إذاً ليس صحيحاً أن نرفع شعار لا وصاية ولا ولاية مطلقاً بحيث يتناول النفي الولاية بالأصل والذات، والولاية بالعرض والغير، والولاية بطرح الأرض، والولاية بطرح السماء.
وإذا كان من يرفع هذا الشعار يعد نفسه ممن يلتزم بالإسلام فماذا يفعل بالآية التي تأمر بطاعة أولي الأمر، والآية التي تربط بين الإيمان والتسليم والرضى بحكم الرسول (ص).