محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧٤ - الخطبة الثانية
الحقيقية، وحرفوا مفاهيم الكتاب وأحكامه ومعانيه، وهو القتال الذي قام به الإمام الحسن عليه السلام كذلك من موقع الحكم، ومن خلال مركز السلطة. وهذا القسم أيضاً يبني عليه المسلمون ولا ينكرونه، بل تستفيد منه الأنظمة الفاسدة؛ استفادة فيها تزوير، أما القسم الآخر فهو قتال الطغاة كيزيد بن معاوية الذي فرض نفسه على الأمة بقوة الحديد والنار من غير أي اعتبار لإرادة الأمة وإسلامها، وهو لون من القتال يحتاجه خط الرسالات للإبقاء على نقائه، وحماية له من التحريف من موقع القوة التي تحكم باسمه، وتخطط ضدّه هذا التحريف الذي بقي إلى اليوم يهدد الإسلام في أصل كيانه، وقد أوجد الحكم الأموي والعباسي رأيا فقهيا بحرمة الخروج على السلطان الجائر الذي لا يستمد شرعيته إلا من تغلُّبه بالقوة، وفرض سلطانه بالبطش، بلا رجوع منه لدين الأمة ولا رأيها.
مسألة مواجهة الحكم اليزيدي، الحكم الأموي والعباسي تحمّل مهماتها الإمام الحسين عليه السلام بكل كفاءة وجدارة، وهو درس لم يعطه الإسلام قبل عملياً، لم يتأكد هذا التشريع على يد معصوم قبل الإمام الحسين عليه السلام فكان لابد أن يتأكّد.
وهذه المحطة، وهذا التحدّي؛ تحدي الإسلام من موقع السلطة الجائرة هو التحدي الذي سيستمر مع الإسلام دائماً وأبدا حتى يأتي القائم عجل الله فرجه، تجدون أن مواجهة الكفر غير منكرة عند المسلمين وفقهاء المسلمين وحكام المسلمين ولو نظريا، وأن مواجهة البغاة أمر معروف أيضا عند كل المسلمين، أما مواجهة الحكم غير الشرعي كالحكم الأموي والعباسي فهي محل اختلاف وإنكار برغم ما سجّله دم الإمام الحسين عليه السلام من حجة شرعية بالغة لا ينكرها من استسلم الإسلام وسَلُمَ قلبُه.
إلا أنه لا يمكن له أن يصمًد إلى الأخير، وصار يذوب شيئاً فشيئاً أمام المثل الحي الصارخ لهذا اللون من الجهاد الذي مارسه الإمام الحسين عليه السلام وأجاد ممارسته على أكمل وجه وأوضح صورة الشيء الذي- نلتفت هنا- لا نعرف له مثالا في تاريخ