محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٠٩ - الخطبة الأولى
الجد في طلب مرضاته. وما لكثير الخدر من سخط المخلوق لا يحذر من سخط الخالق؟! ولكثير الحرص على رضا المملوك لا يحرص على رضا المالك؟! ولا يستوي سخط مخلوق وخالق، ولا رضا مملوك ومالك. وماذا يَنالُ الساخطون من المرء ما لم يقدِّر الخالق؟! وماذا يملك الراضون له ما لم يأذن المالك؟!
والله سبحانه وتعالى لا يرضيه إلا الحَسَن، ولا يُسخطه إلَّا القبيح، وجلَّ أن تنالَ منه معصية سوءاً، أو ينتظرَ من طاعة خيراً، وهو القوي العزيز، الغني الحميد.
ومن لم يدر متى يوافيه الأجل، وينقطع منه الأمل، كان الأحرى به أن يستثمر المهل، ولا يسوِّف العمل. ومن منّا يدري متى الرحيل؟ ومتى ينادى به في عتمة أو ضحى، أو صباحٍ أو أصيل؟! ومن منَّا يمنع الأمر إذا وصل، والقضاءَ إذا نزل؟!
ألا فلنعلم أن وراء كلِّ نَفَسٍ، بل قبل أن يستتم، يمكن أن يكون الرحيل، فكيفَ والحال هذا بالتسويف بالتوبة، والانتظار الطويل؟!
اللهم صلّ على محمد وآل محمد وأحينا محيا محمد وآل محمد، وأمتنا مماتهم، وابعثنا مبعثهم واخلطنا بهم يوم النشور، ويوم يُجزى المحسنون بالإحسان، والمُسيئون بالإساءة.
أما بعد أيّها المؤمنون والمؤمنات ..
فالحديث عن رضا العبد بالرب، وأكثر العبيد- وهم مخلوقون مرزوقون مرحومون- ساخِطون على الخالق الرازق الرَّحمن الرحيم. وكما يُسخِطُ الطفلَ على والده جهلُه، ووالدُه عليه شفيق، وبمصلحته خبير، وبتدبير شؤونه بصير، كذلك جهلُ العباد يُسخِطُهم على الله، وكثيراً ما يريدون ما لا يريد، ويقضون في الأمور بما لا يقضي، ويقترحون الخطأ الذي لو كان لفسدت الأمور، وانهدّت السماوات والأرض، ولكن لا يكون إلا ما يريد، ولا يجري إلَّا ما يقضي، ولا يكون لاقتراحهم في التدبير شأن، فيُسخِطُهم الحقُّ الذي يعلم اللهُ ويجهلون، ويغضبهم القضاء الصالح الذي لا يدركون، ويستثيرهم التدبير الذي لا