محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥١١ - الخطبة الأولى
كلما اختاره الله سبحانه للعبيد وكل تقديرٍ- مثلا قدر الله سبحانه وتعالى أن تكون في الحياة أمراض، أن يكون في الحياة فقر وغنى، صحة ومرض، أن يكون موت وحياة، أن تكون ريح باردة، أن تكون درجة حرارية معينة، أن تكون ظروف بيئية تناسب حينا في نظر العبد ولا تناسب حينا آخر، جعل الثروة السمكية، جعل أشياء كثيرة في هذا الكون، كل هذا التقدير وغيره من الله سبحانه وتعالى قد لا نعلم فلسفته. نعم قد لا نعلم تفاصيل فلسفة الأشياء ولا نستطيع أن ندرك عللها بالكامل، ولكن هنا نظرتان: هل تعرف الله أو لا تعرفه؟ من عرف الله سبحانه وتعالى حيا، قيوما، قديرا، عالما، خبيراً، لطيفا، رحيما، عادلًا، حكيما، قال بأن الأمر لا يجري إلَّا وفق الحكمة، ووفق العلم ووفق اللطف والرحمة، ومن لم يعرف الله سبحانه وتعالى وأعطى الله عز وجل صفات العبيد أخطأ في التقدير واتهم الله سبحانه وتعالى؛ حيث لا يعلم هو فلسفة الأشياء، والله عالم بكل دقيقة من دقائق هذا الكون، عالم بكل علة من علل الأشياء.
إنّك لا تستطيع أن تفسّر تصرفات كثيرة من تصرفات المهندس، ولا تصرفات كثيرة من تصرفات الطبيب، ولا تصرفات كثيرة من تصرفات الطيّار، ولا تصرفات كثيرة من تصرفات أيّ فنّيٍّ خبير، وأيّ عالمٍ دقيقٍ في علمه، ذلك لماذا؟ لأنّك لم تبلغ علمه، ولم تصل إلى خبرته، ولا يمكن أن يستوي عالم وجاهل، وهل يمتلك الطفل تعليلًا كاملًا لكل تصرفات أبويه؟! وهل يستحسن من أبيه أن يضربه ولو ضربة خفيفة تأديبة، هل يستحسن من أبيه أن يمنعه من اللعب بالنار؟ الطفل يؤلمه أن يمنعه أبوه من اللعب بالنار، بينما لو تركه يلعب بالنار لهلك، والعبيد ماذا يساوون في علمهم من علم الله عزّ وجل؟! هل ترى أن الفارق بين علم العبد وحكمته وفهمه وخبرته وبين علم الله وحكمته هو نفس الفارق بين علم الطفل وعلم الأب؟! الفارق بين علم الطفل وعلم الأب فارق محدود، والفارق بين علم العبد وعلم الرب فارق غير محدود، وليست له مسافة تنتهي، فكيف