محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥١٠ - الخطبة الأولى
يعلمون، ويستزِلُّهم الشيطان فيجترئون على القَدَر العادل الذي لا إحاطة لهم به، والتشريع الدقيق الذي لا فهم عندهم لِحكمته، ولا سبيل لهم لعلّته.
وما دام النفوذ لمشيئة الله وحده، والحكم لإرادته لا لإرادة من سواه فنصيب من لم يرض عن الله النَّصَبُ، وتمزق المشاعر، والقلق والعصاب والرهق.
وعن أمير المؤمنين عليه السلام" من رضي من الله بما قسم له استراح بدنه"، وفي كلمة أخرى عنه عليه السلام" نِعم طاردٌ للهم الرضا بالقضاء"، وعن الصادق عليه السلام" الروح والراحة في الرضا واليقين، والهمُّ والحزن في الشك والسخط".
من رضي عن الله عز وجل رأى أن كل ما يحدث عليه مما لم تكتسبه يده فبقدر خالص من الله، وبتدبيره وحكمته، أما ما يحدث علينا مما يكون فعلنا مقدمة له، والشرور التي تصيبنا وقد جلبناها لأنفسنا وإن كان ذلك لا يخرج عن قضاء الله وقدره ولكن تحمل مسؤوليته علينا، وإذا أردنا أن نلوم فعلينا أن نلوم أنفسنا، فمن أهمل جانب الصحة ولم يقدِّر للوقاية شأنها فأصابه ما اصابه من اعتلال في صحته فصحيح أن هذا كله بقدر الله عز وجل وأن المقدمة والنتيجة لم تأتيا على خلاف ما يريد الله بمعنى أن العبد لم يقهر الله فيما يريد، وليس العبد بقادر على أن يقهر الله سبحانه وتعالى فيما يريد، فلو أراد الله سبحانه أن يشل يد هذا العبد لأشلَّها، ولو أراد أن يضعه قهرا على طريق الوقابة لوضعه، ولو أراد أن يمنع نتيجة الإهمال الوقائي لمنع نتيجة الإهمال الوقائي، ولكن قدر الله ربط بين الأسباب والمسببات وأعطاك الفرصة أنت أن تكون هذا السبب أو ذاك، فحين يكون سوء واعتلال في الصحة أو في الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي بما كسبت أيدي الناس فذلك شأنهم وعليهم تبعته، أما مثل الحوادث الطبيعية وما يجري فوق إرادة الإنسان وبلا دخل له أصلا فذلك من تقدير الله الخالص، نقول هذا من تقدير الله الخالص لنقابل به التقدير الذي يقع الإنسان سببا ومقدمة من أسباب النتيجة في الأمر.