محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٣٤ - الخطبة الثانية
يذيقون المستضعفين أشدّ ألوان العذاب، ويستغلّون الإنسان حملتهم الشرسة ضدّ رسول الله صلى الله عليه وآله لأوّل ما سمعوا بالدعوة، واستمر الاضطهاد والملاحقة في مكّة وخارجها، وحتى بعد قيام الدولة في المدينة استمرّت المؤامرات والمواجهات وتجميع الأحزاب والسعي الحثيث من أجل القضاء على الإسلام. دعوةٌ من رسول الله صلّى الله عليه وآله قابلتها حرب. رسول الله صلّى الله عليه وآله قاتل، وقتاله لا يخرج عن أحد أمرين: قاتل حماية للدعوة، وذوداً عن حدود الدولة، هذا أمر.
وقاتل أيضاً لتحرير الإنسان، ربّ أهل مكّة هو ربّ أهل أمريكا، وربّ دولة الفرس والروم يوم ذاك، فالدعوة التي جاءت لإنقاذ العرب هي نفسها جاءت لإنقاذ كل شعوب العالم، فكان على رسول الله صلّى الله عليه وآله أن يعرض على الناس الإسلام، ويدعوهم إلى الله، فإذا ما وقف الطغاة أصحاب المصالح والأرباب المزيّفون يحولون بين المستضعفين وبين أن يسمعوا كلمة الإسلام، ونداء الله كان على رسول الله صلى الله عليه وآله أن يحطِّم قاعدة الشرك التي يقوم عليها كلّ اضطهاد، وكلّ استعباد، وكلّ استغلال ونفعيّة، وكلّ خلق وضيع. وكان عليه أن يوقظ شعوب العالم من جهتين: من جهة العقيدة الفاسدة، والواقع المُرِّ الذي كان يفرضه الطغاة في الأرض، وأنت إذا سألت: بأيّ عنوان يتحرّك بوش الآن في حرب البلاد الإسلامية؟ سيقول لك أنّه مسؤول خلقيّاً عن حماية الإنسان والوضع البشري، وأنّ هناك محوراً للشرّ في الأرض، وما لم يسقط محور الشرّ سيبقى الشرّ. الله عزّ وجل ورسوله يقولان هناك محور شر؛ وهي فكرة الإلحاد، فكرة عبادة الوثن، إنكار وجود الله سبحانه وتعالى، هذا المحور من الشرّ لا بد أن يُطارد فكراً، ولا بدّ لمن يحميه ويبقيه ليقيم منه قاعدة إفساده وظلمه وبغيه في الأرض أن يواجه حرباً من الإسلام.
كان هذا الفكر الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وآله يحارب الطغاة في الأرض، ويرسل إلى كسرى، ويرسل إلى امبراطور الروم.