محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١ - الخطبة الأول
اللهم صل على محمد وآل محمد وأعنّا على أنفسنا ما أحييتنا واهدنا سواء السبيل.
جهاد النفس المعركة المصيرية الأولى:
أما بعد فإنّ ميداننا الأول أنفسنا، وإنه و إن كانت لنا معارك كثيرة في الحياة، فإن معركتنا الأولى مع النفس هي المعركة الأولى والمصيرية، والتي لا صمود إلا من الصمود فيها، ولا نصر إلا من الانتصار في ميدانها. والنفس ليست كلها شراً؛ يطلب الانتصار عليه، وإنما فيها الخير الذي ينتصر به. والنصر في أم المعارك- المعركة مع النفس- بدايته أن نعرف أنفسنا ونتوفر على التشخيص
الدقيق لها، والتقييم الحق لخيرها وشرها. والمعرفة لا تعني صورة في الذهن حتى مع الاعتقاد، وإنما تتمثل في نور في القلب يهتدي به إلى الصواب، ومعرفة النفس موضوع هذا الحديث، ويكون تناوله تحت عنوانين ثلاثة بنحو الاقتضاب بما يفرضه المقام:
معرفةٌ تتقدّم المعارف:
كما تدل كلماتهم صلوات وسلامه عليهم أجمعين .. لا معرفة كمعرفتك بنفسك)) عن الإمام الباقر عليه السلام. قد تعرف الأشياء من حولك، قد تسبر داء نفسك، وتبحث عن دوائه، قد تغور العقول
في كائنات الأرض والسماء، وفي الدقائق والجسيمات وفيما يكبر من الأجسام والمجرات، قد تتوفر على معرفة كبيرة في هذا الكون ثم تبقى هذه المعرفة شيئاً خارج الروح، خارج قلبك، ويبقى أحدنا مع هذه المعرفة جاهلًا بنفسه .. ماذا توفّر له المعرفة الرياضية والمعرفة الكيماوية، ومعرفة الأحياء، والمعرفة الطبية والمعارف الأخرى؟؟ إن هذه المعارف توفر له أن يُصلح الأشياء من حوله وأن يستفيد منها بعض استفادة، وأن يتوّقى شر ما يكون منها، ويحاول أن يتوصل بمعرفته إلى ما هو خيرٌ تعطيه،
ولكن و مع جهله بنفسه ستبقى عمارة نفسه خراباً وستبقى ذاته دونيه، و ستنخر