المهذب البارع في شرح المختصر النافع - ابن فهد الحلي - الصفحة ٣٤٠ - الأول الأعيان النجسة
..........
(و أمّا) ثالثا فلما فيه من الاعتماد على اللّه سبحانه و الوثوق بما عنده، و لا يكون نفسه متطلّعة الى أحد من المخلوقين قريبا كان أو بعيدا حتى لو كان أبا أو ابنا، فان الطلب الى اللّه تعالى و توقع العناية أفضل من الأخذ منهم، أو ما سمعت حكاية داود عليه السّلام، فإنه كان يتوخّى من تلقاه من بني إسرائيل ممن لا يعرفه فيسأله عن حالته؟
فيثني عليه حتى لقي رجلا فسأله؟ فقال: نعم العبد لو لا خصلة فيه، فقال: و ما هي؟
قال: انه يأكل من بيت المال، فبكى داود عليه السّلام و علم انه قد أتي. فأوحى اللّه عزّ و جلّ الى الحديد: ان لن لعبدي داود، فألان اللّه له الحديد فكان يعمل كلّ يوم درعا يبيعها بألف درهم، فعمل عليه السّلام ثلاثمائة و ستين درعا، فباعها بثلاثمائة و ستين ألفا فاستغنى عن بيت المال [١].
و إيّاك ثمَّ إيّاك و التجرّي على الدين، فإنه مجلبة للهمّ و مشغلة للذمم و مسبتة للفكر، و هو في الدنيا مذلّة و في الآخرة تبعة: و حمل الى مسجد النبي صلّى اللّه عليه و آله ميّت ليصلي عليه السّلام عليه فقال: على ميّتكم دين؟ فقالوا: نعم درهمين يا رسول اللّه، قال: تقدّموا فصلّوا على ميّتكم، فقال على عليه السّلام: ضمنتها عنه يا رسول اللّه، فقال: فكّ اللّه رهانك كما فككت رهان أخيك، ثمَّ تقدّم فصلّى عليه [١] و قد ورد رخصة في إباحته إذا كان له وليّ يقضيه أو مال يؤدّى عنه، و الأفضل تركه و الطلب إلى اللّه بالغنى عنه بالتسبيب و التمعّس [٣] ففيه مع اشتماله على تفريغ الذمة من حقوق المخلوقين، و الراحة من الفكر، مواساة الصالحين و الفوز بثواب الكادّين، حيث يقول عليه السّلام: الكادّ على عياله من حلال كالمجاهد في سبيل
[١] عوالي اللئالى: ج ٣ ص ١٩٩ الحديث ١٨ و في الفروع: ج ٥ ص ٧٤ الحديث ٥ و فيه (اوحى اللّه عزّ و جلّ الى داود عليه السّلام انك نعم العبد إلّا انّك تأكل من بيت المال إلخ).
[٣] تمعس في الحرب: حمل و رجل معّاس و متمعّس: مقدام (لسان العرب: ج ٦ لغة معس).
[١] سنن الدار قطني: ج ٣ ص ٤٧ كتاب البيوع الحديث ١٩٤ و صفحة ٧٨ الحديث ٢٩١ و ٢٩٢.