أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٢٢
و المذهب هو الأول؛ فإن الإطلاق من أهل العرف سائغ ذائع، بأن ما انتفع به الحيوان؛ فهو رزقه، و أن ما لم ينتفع به ليس رزقا له، و إن كان مملوكا له؛ بل رزق من انتقل إليه، و انتفع به.
و النزاع فى هذه المسألة ليس فى غير التسمية؛ فكان صحة الإطلاق كافيا فيه؛ فإنه لو كان الرزق هو المنتفع به؛ لكان ما أخذه الغاصب و انتفع به، رزقا. و لو كان رزقا له؛ لما كان ممنوعا من الانتفاع به، و لا ملوما عليه، و لا معاقبا.
و يدل على أنه ليس رزقا له النص، و الإطلاق.
أما النص: فقوله- تعالى-: وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [١] أثنى على المنفق من رزقه؛ و ذلك غير متحقق فى حق الغاصب بما ينتفع به؛ فلا يكون رزقا له.
و أيضا قوله- تعالى-: وَ أَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ [٢]. أمر بالانفاق من الرزق، و الغاصب منهى عن الإنفاق مما اغتصبه؛ فدل على أنه ليس رزقا له.
و أما الإطلاق: فهو أن من أخذ مال غيره، و أحال بينه و بين ملكه، يصح أن يقال أحال بينه و بين رزقه. و إن لم يكن قد انتفع به؛ فدل على أن مسمى الرزق غير المنتفع به؛ و هو الرزق.
و الجواب:
أما الحل و انتفاء اللوم، و العقاب؛ فغير داخل فى مسمى الرزق، حتى إذا لم يكن الانتفاع حلالا، أو كان ملوما معاقبا عليه، لا يكون رزقا؛ بل مسمى الرزق: هو المنتفع به لا غير، و هو متحقق فى حق الغاصب، و اللوم و العقاب و الحرمة، إنما كان لازما فى حق الغاصب من مخالفة نهى الشرع، و تفويت ملك المعصوم عليه دون إذنه، و لا منافاة بين الأمرين.
و أما ما ذكروه من الآيتين: فإنما يصح الاحتجاج بهما أن لو اشتملتا على صيغة العموم؛ و نحن لا نسلم أن العموم له صيغة.
[١]
سورة البقرة ٢/ ٣.
[٢]
سورة المنافقون ٦٣/ ١٠.