ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٦٢
زائدا عن تتمة المئونة حولا و ليس بالوجه و قال في موضع آخر من المنتهى يجوز أن يعطى الفقير ما يغنيه و يزيد على غناه و هو قول علمائنا أجمع و الأوّل أقرب أنه لا يتقدر بقدر كما هو قول الأكثر لإطلاق الأدلّة
و ما رواه الشيخ عن سعيد بن غزوان في الصحيح و الكليني عنه في الحسن بإبراهيم عن أبي عبد اللّٰه٧قال يعطيه من الزكاة حتى يغنيه و ما رواه الكليني عن إسحاق بن عمّار في الموثق و رواه الشّيخ عن الكليني نجلل في الإسناد عن أبي الحسن موسى٧قال قلت له الرجل أعطى الرّجل من الزكاة ثمانين درهما قال نعم و زده قلت أعطاه مائة قال نعم و أغنه إن قدرت أن تغنيه و عن عمّار بن موسى في الموثق عن أبي عبد اللّٰه٧أنه سئل كم يعطى الرّجل من الزكاة قال قال أبو جعفر٧إذا أعطيت فأغنه
و ما رواه الشيخ عن ابن أبي عمير في الصحيح عن زياد بن مروان عن أبي الحسن موسى٧قال أعطه ألف درهم و عن إسحاق بن عمار في الضعيف [الصحيح] قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧أعطي الرجل من الزكاة مائة درهم قال نعم قلت مائتين قال نعم قلت ثلاثمائة قال نعم قلت أربعمائة قال نعم قلت خمسمائة قال نعم حتى تغنيه
و يؤيده ما رواه الكليني عن أبي بصير في الصحيح قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧إن شيخا من أصحابنا يقال له عمر سأل عيسى بن أبان و هو محتاج فقال له عيسى أما إن عندي من الزكاة و لكن لا أعطيك منها فقال له و لم فقال لأني رأيتك اشتريت لحمار تمرا فقال إنما ربحت درهما فاشتريت بدافقين لحما و بدافقين تمرا ثم رجعت بدافقين لحاجة قال فوضع أبو عبد اللّٰه٧يده على جبهته ساعة ثم رفع رأسه ثم قال إن اللّٰه تبارك و تعالى نظر في أموال الأغنياء ثم نظر إلى الفقراء فجعل في أموال الأغنياء ما يكتفون به و لو لم يكفهم لزادهم بل تعطيه ما يأكل و يشرب و يكتسي و يتزوج و يتصدق و يحجّ
و أما القول الآخر فلا أعرف له حجّة و قال الشهيد في البيان و ما ورد في الحديث من الأغنياء بالصدقة محمول على غير المكتسب و هذا التخصيص يحتاج إلى دليل و لم أطلع عليه و قوله٧في صحيحة معاوية بن وهب و يأخذ النفقة من الزكاة غير واضحة الدّلالة عليه مع اختصاص الرّواية بمن كان له مال يتجر به و عجز عن استنماء الكفاية
و يعطى من الزكاة صاحب دار السكنى و عبد الخدمة و فرس الركوب قال المصنف في التذكرة لا نعلم فيه خلافا بعد انضمام ثياب التجمل أيضا إليها و الأصل فيه مضافا إلى حصول الحاجة إليها و عدم صدق الغنى بها عرفا روايات منها موثقة سماعة و رواية أبي بصير السابقتين في بيان حقيقة الغنى و يدل عليه أيضا ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن عمر بن أذينة في الصحيح عن غير واحد عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه٧أنّهما سألا عن الرّجل له دار أو خادم أو عبد يقبل الزكاة قال نعم إن الدار و الخادم ليسا بمال
و روى الشيخ عن سعيد بن يسار بإسناد فيه جهالة قال سمعت أبا عبد اللّٰه٧يقول تحلّ الزكاة لصاحب الدّار و الخادم لأن أبا عبد اللّٰه٧لم يكن يرى الدّار و الخادم شيئا و هذه الأخبار مختصّة بالدّار و الخادم لكن لا يبعد إلحاق فرس الركوب و ثياب التجمّل بهما كما قطع به المصنف و غيره نظرا إلى حصول الحاجة و عدم صدق الغنى بهما عرفا
و يؤيّده التعليل المذكور في رواية عمر بن أذينة و الظاهر أنّه يكفي في عدم منع الدّار من إعطائه الزكاة احتياجه إلى السّكنى و إن حصل له غيرها ببذل أو استيجار و يعتبر في الخادم كون المخدوم من عادته ذلك أو احتياجه إليها و كذا في فرس الركوب و ثياب التجمل و لو كانت دار السّكنى يزيد عن حاجته بحيث يبلغ قيمة الزّيادة مئونته و عياله حولا و أمكنه بيع الزّيادة منفردة فهل يخرج بذلك عن حدّ الفقر استشكله المصنف في التذكرة و قطع بعضهم بالخروج به و لو كانت حاجته يندفع بأقلّ منها قيمة فهل يجب تكليف بيعها و شراء الأدون فيه نظر قطع المصنف في التذكرة بالعدم و هو حسن لعموم النّص
و في التذكرة و كذا الكلام في العبد و الفرس لكن في إطلاق هذا الحكم في الفرس لا يخلو عن إشكال لعدم ذكره في النّص و لو احتاج إلى أكثر من واحد فكالواحد قاله المصنف في التذكرة
و يصدق في ادعاء الفقر و إن كان قويّا قال الشيخ في المبسوط إذا جاء رجل إلى الإمام و الساعي و ذكر أنه لا مال له و لا كسب و سأله أن يعطيه شيئا من الزكاة فإن عرف الإمام صدقه أعطاه و إن عرف كذبه لا يعطه و إن جهل حاله نظر فإن كان جلدا في الظاهر أعطاه و قيل إنّه يحلف لأنه يدعي أمرا يخالف الظاهر و قيل إنه لا يحلف و هو الأقوى و أمّا إذا كان ضعيفا في الظّاهر فإنّه يعطيه من الصدقة و لا يحلفه لأن الظاهر موافق لما يدعيه فإن ادّعى هذا السّائل أنّه يحتاج إلى الصدقة لأجل عياله فهو يقبل قوله قيل فيه قولان أحدهما يقبل قوله بلا بينة و الثاني لا يقبل قوله إلا ببينة لأنه لا يتعذّر و هذا هو الأحوط هذا فيمن لا يعرف له أصل مال فأمّا إذا عرف له أصل مال فادعى أنّه تلف
و أنّه محتاج لا يقبل قوله إلا ببينة لأن الأصل بقاء المال و نقل المصنف في المختلف قوله إن ادعى هذا السّائل إلى قوله هو الأحوط ثم قال الظّاهر أن مراد الشّيخ بالقائل الجمهور قال و صيرورته إلى القول الثاني ليس بجيد لأن قوله مقبول عملا بظاهر العدالة المستندة إلى أصل الإسلام و ما استظهره غير ظاهر و كلام الشيخ غير دال على صيرورته إلى القول الثّاني فإنّه جعله أحوط
و قال المحقق في المعتبر إن ادعى الفقر عومل بما عهد من حاله و إن جهل عومل بدعواه و لم يكلّف يمينا و لو ادعى حاجة عياله ففي القبول من دون إحلافه تردد أشبهه القبول لأنّه مسلم ادّعى ممكنا و لم يظهر ما ينافي دعواه و لو عرف له مال و ادعى ذهابه قال الشّيخ يكلف البينة لأنّه ادعى خلاف الظاهر و الأشبه أن لا يكلّف ببينة تعويلا على ظهور عدالته و كذا البحث في العبد لو ادعى العتق أو الكتابة
و قال المصنف في التذكرة و يعطى من ادّعى الفقر إذا لم يعلم كذبه سواء كان قويّا قادرا على التكسب أو لا و يقبل قوله من غير يمين سواء كان شيخا ضعيفا أو شابّا ضعيف البنية أو زمنا أو كان سليما قويّ البنية جلدا و هو أحد وجهي الشّافعي لأن رجلين أتيا رسول اللّٰه٦و هو يقسم الصدقة فسألاه شيئا منها فصعد بصره فيهما و صوبه و قال لهما إن شئتما أعطيتكما و لا حظ فيها لغني و لا ذي قوة و لا مكتسب و دفع إليهما و لم يحلفهما
و الثّاني للشافعية أنّه يحلف إن كان قويّا في بنية ظاهره الاكتساب لأن ظاهره يخالف ما قال و ليس بجيد لأنّه مسلم ادّعى ممكنا و لم يظهر ما ينافي دعواه و لو عرف له مال و ادعى ذهابه قال الشيخ يكلف البيّنة لأنّه ادعى خلاف الظاهر و الأصل البقاء و به قال الشّافعي و الأقرب أنه لا يكلّف بينة تعويلا على صحّة أخبار المسلم و كذا البحث في العبد لو ادّعى العتق أو الكتابة و لو ادعى حاجة عياله فالوجه القبول من غير يمين لأنه مسلم ادعى أمرا ممكنا و لم يظهر ما ينافي دعواه و يحتمل الإحلاف لإمكان إقامة البيّنة على دعواه
و استقرب في المنتهى أنّه لا يكلف بينة إذا ادعى تلف ماله بعد نقل خلافه عن الشيخ و نقل الإجماع على قبول دعوى المريض أو الشيخ أو الشّاب الذي هو ضعيف البنية عن العجز عن الحركة و الاكتساب ثم قال و إن كان قوي البنية جلدا فادعى العجز عن الاكتساب فالأقرب قبول قوله من غير يمين و نسب إلى الشّافعي خلافه ثم قال و لو ادّعى عيالا يعجز عن مئونتهم فالأقرب أيضا قبول قوله من غير يمين كما يقبل قوله إنّه غير مكتسب و قال الشافعي يطالب بالبيّنة لإمكانها
و بما ذكرنا يظهر إنما ذكره بعض أصحابنا المتأخرين من أنّ ظاهر المحقق في المعتبر و المصنف في كتبه الثلاثة أن جواز إعطاء مدعي الفقر مع جهالة حاله من غير يمين سواء كان قويّا أو ضعيفا موضع وفاق محل تأمّل و غاية ما يتحصّل من أدلتهم على جواز الاعتماد على دعواه أمور أحدها ما ذكره المحقق في المعتبر من أنه مسلم ادعى أمرا ممكنا و لم يظهر ما ينافي دعواه فكان قوله مقبولا و يرد عليه منع الكبرى إذ لا أعرف عليه دليلا فإن القدر المعلوم أنه لا يصحّ إن كان قوله و دعواه ما لم يظهر خلافه و لا العمل بما هو مقتضاه
و ثانيها ما ذكره المصنف في المنتهى من أن هذه الدعوى يوافق الأصل و هو عدم المال و فيه نظر فإنّه مبني على صحة الاستصحاب و جواز بناء الأحكام الشرعية عليه في أمثال هذه المواضع و هو ضعيف جدّا و ثالثها ما ذكره فيه أيضا من أن الأصل عدالة المسلم فكان قوله مقبولا و يرد عليه أن العدالة عند المصنف هو الملكة المخصوصة و هو أمر وجودي لا يستقيم الاستناد في تحققه إلى الأصل و لا إلى الظّاهر كما لا يخفى على أن هذا الدّليل لا يختص بدعوى العدل و المدعى أعمّ منه مع أن قبول قول العدل مطلقا في معرض المنع لا يقال قوله تعالى إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا يدل بمفهومه على قبول قول العدل مطلقا لأنّا نقول إثبات العموم في مفهوم الآية لا يخلو عن إشكال و ذلك غير خفي على المتدبّر
و يمكن الاستدلال عليه أيضا بوجهين آخرين أحدهما أن التقسيط على جميع الفقراء راجح إمّا استحبابا أو وجوبا و هو يقتضي عدم توقف الإعطاء على البينة أو الحلف فإن التكليف بالبينة أو اليمين يقتضي حرمان كثير من الفقراء إذ كثير منهم مستور الحال لا يقدرون على إقامة البينة و كثير منهم يتحاشون عن الحلف و نحن نعلم قطعا أن إيصال الزكاة إلى كلّ فقير مرضي عند الشّارع
و ثانيهما ما رواه الكليني عن عبد الرّحمن العزرمي عن أبي عبد اللّٰه٧قال جاء رجل إلى الحسن و الحسين٧و هما جالسان