ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٢٦
ثبوته كليّا في مقام التعليم و هذا هو الوجه فيما رواه الكليني عن أبي الصّباح الكناني في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه٧في الرّجل ينسى أو يعين فلا يزال ماله دينا كيف يصنع في زكاته قال يزكيه و لا يزكّي ما عليه من الدّين إنما الزكاة على صاحب المال
قال في القاموس عين أخذ بالعينة بالكسر أي السّلف أو أعطى بها و يحتمل الحمل على التّقية في الكلّ فإن جمهور أهل الخلاف على وجوب الزكاة في الدّين و ما تضمّنه الخبر من نفي الزكاة فيما عليه من الدّين محمول على عدم بقاء عين المال عنده حولا و حمل أخبار الوجوب على ما إذا أمكنه في وقته و عينه بالعزل مع ابتياع المدين بنيّته بعيد تنبيه قال الشّهيد في البيان الظاهر أنّ الشّيخ أراد النّقد إذ الحيوان في الذّمة لا يعقل فيه السّوم
و صرّح المصنف في التذكرة بأن الدّين لو كان نعما فلا زكاة فيه ثم قال و من أوجبه في الدّين توقّف هنا لأن السّوم شرط و ما في الذّمة لا يوصف بكونه سائما ثم استشكله بأنّهم ذكروا في سلم اللّحم التعرّض لكونه لحكم راعية أو معلوفة فإذا جاز أن يثبت في الذّمة لحكم راعية جاز أن يثبت راعية و محصّل الإشكال أنّ بناء إيجاب الزكاة في الدّين إذا كان نقدا إنما هو على تقدير الحكم الثّابت للأمر المعيّن الشّخصي إلى الأمر الكلي الثّابت في الذّمة عند الاشتراك في الوصف و على هذا يقتضي انسحاب الحكم في الحيوان فوجه التوقّف غير واضح
فما أورده الشّهيد الثّاني على المصنف من أنّ كلامه إنما يتّجه إذا جعلنا مفهوم السّوم عدميّا و هو عدم العلف كما هو الظاهر من كلامهم أمّا إن جعلناه أمرا وجوديّا و هو أكلها من مال اللّٰه المباح لم يعقل كون ما في الذّمة سائما غير متوجّه و قد يقال المتبادر من الرّوايتين المتضمنتين الثبوت الزكاة في الدّين أن المراد به النّقد فلا يبعد قصر الحكم عليه لأصالة البراءة من الوجوب في غيره و هو غير بعيد
مسألة إذا ابتيع لمدين و عزله المستدين عزلا شرعيّا فهل يجب الزكاة على المدين يبنى الوجوب و عدمه على الاكتفاء بالتمكّن من التصرّف و عدمه و قد مر ما يصلح تحقيقا له و حكي عن بعض المتأخرين عدم الوجوب إذا لم يعلم بالقول و جعل الوجوب احتمالا قويّا لأنّه مالك متمكّن من التصرف و المنع إنما هو بتفريطه و من الشّارحين للقواعد من رجّح عدم الوجوب في الصورة المذكورة
و القرض إن تركه المقترض حولا بحاله فالزكاة عليه و إلا سقطت سواء شرط المقترض المستقرض الزكاة على القارض أم لا على المشهور بين الأصحاب و اختاره ابن أبي عقيل و الشّيخ في النهاية في باب الزكاة و الخلاف و المفيد في المقنعة و الشّيخ علي بن بابويه في الرّسالة و ابن إدريس و قال الشيخ في باب القرض من النهاية إنّ شرط المستقرض الزكاة على القارض وجبت عليه دون المستقرض حجّة الأوّل أن الزكاة إنما تتعلّق بصاحب المال فلا يكون اشتراطها على غيره سائغا و يكون من قبيل اشتراط العبادة على غير من وجبت عليه
و فيه أنّ تعلّقها بصاحب المال مشروط بعدم تبرّع المقرض لما مرّ أن تبرّع المقرض جائز سقط الوجوب عن المقترض فلا يكون الاشتراط عليه من قبيل اشتراط العبادة على غير من وجبت عليه
احتج المصنف في التذكرة للثّاني بصحيحة منصور السّابقة عند شرح قول المصنف و القرض حين القبض ثم قال إنّ الحديث لا يدلّ على مطلوبه و هو حسن فإن مقتضى الرّواية جواز التبرع و هو لا يقتضي جواز اشتراط تعلقها به و الظاهر جواز الشرط المذكور بناء على جواز تبرع المقرض و لا يبعد لزومه بناء على وجوب الوفاء بالعهود و أنكره المصنف و على القول باللّزوم هل يسقط عن المقترض بمجرد الشّرط فيه نظر
و الأقرب عدم السقوط للأخبار السّابقة في حكم القرض و لا ينافيه الوجوب على المقترض كما لو وجب على شخص أداء دين آخر بنذر أو شبهه فإنّه لا يسقط الوجوب عن المدين فإن وفى سقط عن المديون و إلا وجب عليه الأداء و على القول بفساد الشّرط هل يفسد القرض لا يبعد ذلك لعدم التّراضي إلا مع الشّرط و هو المحكي عن جماعة منهم الشهيدان و يحكى عن بعضهم القول بعدم الفساد
و ينبغي التنبيه على أمور الأوّل قال الشّيخ في موضع عن المبسوط لو رهن النّصاب قبل الحول فحال الحول و هو رهن وجبت الزكاة و إن كان موسرا كلف إخراج الزكاة و إن كان معسرا تعلّق بالمال حق الفقراء يؤخذ منه لأنّ حقّ المرتهن في الذّمة و قال في موضع آخر منها لو استقرض ألفا و رهن ألفا لزمه زكاة الألف القرض دون الرّهن لعدم تمكّنه من التصرف في الرّهن و قال في الخلاف لو كان له ألف و استقرض ألفا غيرها و رهن هذه عند المقرض فإنّه يلزمه زكاة الألف الّتي في يده إذا حال الحول دون الألف التي هي رهن
ثم استدلّ بأنّ مال الغائب إذا لم يتمكن منه لا يلزمه زكاة و الرّهن لا يتمكّن منه ثم قال و لو قلنا إنّه يلزم المستقرض زكاة الألفين كان قويّا لأن الألف القرض لا خلاف بين الطّائفة أنه يلزمه زكاتها و الألف المرهونة هو قادر على التّصرف فيها بأن يفكّ رهنها و المال الغائب إذا كان متمكّنا منه يلزمه زكاته بلا خلاف
و يستفاد من هذا الكلام التّفصيل بالقدرة على الفكّ و عدمه و به صرّح المصنف في النهاية حيث قال و لو كان قادرا على الانفكاك وجبت الزكاة لتمكّنه من التصرّف و لا يخرجها من النّصاب لتعلّق حق المرتهن فيه تعلّقا مانعا من التصرف الرّاهن و في الدروس و لا في الرّهن مع عدم تمكّنه من فكّه و عندي في هذه المسألة إشكال
و شرط الضمان الإسلام و إمكان الأداء فلو تلفت بعد الوجوب و إمكان الأداء ضمن المسلم لا الكافر تنقيح هذا المقام يتمّ ببيان أمور الأوّل أن الكافر يجب عليه جميع فروع الإسلام و لكن لا يصحّ منه ما دام كافرا أمّا الوجوب فلعموم الأوامر السّالم من المعارض و قوله تعالى وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ
و أمّا عدم الصّحة ما دام كافرا فعلّل بوجوه منها أن الصّحة مشروط بنيّة القربة و لا يصحّ منه و منها الأخبار المستفيضة الدّالة على بطلان عبادة المخالف فضلا عن الكافر و منها الإجماع على أنّ الكافر لا يدخل الجنّة و لو وقعت منه عبادة صحيحة لا يثبت عليها و لزوم دخوله الجنّة لإيصال الثواب إليه إذ لا يقع في غيرها إجماعا على ما نقله جماعة و طريق المناقشة إلى هذه الوجوه غير منسد و لكن الأمر فيها هيّن
الثّاني ذكر كثير من الأصحاب أنّ الكافر لا يضمن بعد إسلامه و إن وجبت عليه في حال كفره و قد نصّ الفاضلان و من تبعهما من المتأخّرين على أن الزكاة تسقط عن الكافر بالإسلام و إن كان النّصاب موجودا و ظاهر كلام المصنف في بعض كتبه أنّه يستأنف الحول من حين إسلامه و إن أسلم في أثناء الحول
و كلام الشّهيد كالصّريح في هذا و في عبارة المصنف في النهاية نوع إجمال بل لا يبعد أن يقال إنّه مشعر بخلافه حيث قال فإذا أسلم بعد الحول سقطت عنه لقوله٧الإسلام يجب ما قبله و لو أسلم قبل الحول بلحظة وجبت الزكاة و لو كان الإسلام بعد الحول و لو بلحظة فلا زكاة سواء كان المال باقيا أو تالفا بتفريط منه أو بغير تفريط و الإشكال في هذه الأحكام ثابت لعموم الأدلة الدّالة على الوجوب و عدم وضوح ما يدلّ على السقوط و ضعف الخبر الّذي تمسّكوا به بحسب السّند و الدّلالة و قوله تعالى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ يدلّ على ارتفاع الإثم بما حصل في حال الكفر و هو غير مستلزم للمدّعى كما لا يخفى مع أنّ تصوير الوجوب مع عدم صحة أدائها حال الكفر و سقوطها بالإسلام محلّ إشكال و لهذا توقّف فيها غير واحد من المتأخرين و هو في محلّه
الثالث قالوا لا يشترط في وجوب الزكاة التمكّن من الأداء و في المنتهى أنّه قول علمائنا أجمع و استدلّ عليه بعموم الأدلّة السّالمة من المعارض السّابقة و يمكن الاستدلال بقول أبي عبد اللّٰه٧في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم أيّما رجل كان له مال و حال عليه الحول فإنّه يزكيه و صحيحة الفضلاء و غيرها من الأخبار السّابقة و بقوله٧لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول و ما بعد الغاية مخالف لما قبلها و بأنّه لو حال على النّصاب أحوال و لا يتمكّن من الأداء وجب زكاة الأحوال و هو دليل الوجوب
لكن لا يخفى أنّ وجوب الزكاة معناه وجوب إيصال قدر معيّن من المال على الشّرائط المعلومة إلى المستحقّ و لا معنى لهذا عند عدم التمكّن من الأداء و لعلّ المقصود ثبوت بعض الآثار المرتبة على الوجوب كوجوب الإيصاء و وجوب إخراجه عن ماله عند الوفاة و حصول الشّركة للمستحق و أمثال ذلك فالمراد بوجوب الزكاة ثبوتها على الوجه المذكور و على هذا يضعف الاستناد إلى بعض الأدلة المذكورة
الرابع الضّمان مشروط بالتمكّن من الأداء و الظاهر أنّه متفق بين الأصحاب و ما استدلّ عليه أن الزكاة متعلّقة بالعين لا بالذّمة فيكون النّصاب في يده بمنزلة الإمامة فلا يضمن إلا بالتعدّي و التّفريط فلو تلف قبل التمكّن من الأداء من غير تفريط لم يكن عليه شيء و روى الكليني عن محمّد بن مسلم في الحسن بإبراهيم بن هاشم قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧رجل بعث بزكاة ماله ليقسم بينهم فضاعت هل عليه ضمانها حتى يقسم فقال إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتّى يدفعها و إن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان لأنّها قد خرجت من يده
و كذلك الوصيّ الذي يوصي إليه يكون ضامنا لما دفع إليه إذا وجد ربّه الّذي أمر بدفعه إليه فإن لم يجد فليس عليه ضمان