ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤١٢
الخامس لو عزم على إقامة طويلة في رستاق ينتقل فيه من قرية إلى قرية و لم يعزم على إقامة العشرة في واحدة منها لم يبطل حكم سفره لأنه لم ينو الإقامة في بلد بعينه فكان كالمنتقل في سفره من منزل إلى منزل قاله المصنف في المنتهى و غيره
السادس قد ثبت بما ذكرنا أن نية الإقامة تبطل السفر المتقدم و تزيل الحكم المترتب عليه و وجوب التقصير عليه ثانيا يحتاج إلى تحقق السبب المسوغ للتقصير و هو قصد المسافة و الخروج إلى حد الخفاء على ما ثبت بالأدلة السابقة فلو رجع بعد ذلك إلى محل الإقامة لغرض مع بقاء نية السفر فالظاهر بقاؤه على حكم التقصير بخلاف ما لو كان الرجوع إلى بلده و لو رجع عن نية السفر أتم في الموضعين لانتفاء شرط التقصير و هو العزم على السفر أو الوصول إلى حد المسافة كما مر
السابع هل حكم زوال التقصير يرتبط بالوصول إلى حد الخفاء أو دخول البلد إذا كانت نية الإقامة سابقة عليه فيه وجهان و فيه بيانه
الثامن لو صلى بتقصير ثم ينوي الإقامة في أثنائها يتم روى ذلك الشيخ عن علي بن يقطين في الصحيح عن أبي الحسن٧و عن محمد بن سهل عن أبيه عن أبي الحسن و هو اتفاقي بين الأصحاب على ما نقله في التذكرة
و إن تردد في الإقامة قصر إلى ثلاثين يوما ثم يتم و لو صلاة واحدة لا أعلم خلافا في هذا الحكم بين الأصحاب و نقل بعض المتأخرين الإجماع عليه و يدل عليه أخبار متعددة منها قول الصادق٧في صحيحة معاوية بن وهب السابقة في المسألة المتقدمة و إن أردت دون العشرة فقصر ما بينك و بين شهر فإذا أتم الشهر فأتم الصلاة و في حسنة أيوب السابقة في المسألة المتقدمة فإن لم يدر ما يقيم يوما أو أكثر فليعد ثلاثين يوما ثم ليتم
و في صحيحة أبي ولاد الآتية فإن لم ينو المقام فقصر ما بينك و بين شهر فإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة و هل يجوز الاكتفاء بالشهر الهلالي إذا حصل التردد في أوله يحتمل ذلك لصدق الشهر عليه و هو مقتضى إطلاق كلام أكثر الأصحاب و حينئذ فالثلاثين المذكورة في حسنة أبي أيوب محمول على الغالب من عدم كون مبدإ التردد مبدأ الشهر و اعتبر المصنف في التذكرة الثلاثين و لم يعتبر الشهر الهلالي قال لأن لفظ الشهر كالمجمل و لفظ الثلاثين كالمبين و في كونهما كالمجمل و المبين تأمّل بل الظاهر كون الشهر حقيقة في المعنى المشترك بين المعنيين و حينئذ فالمتجه أن يقال يحمل على الثلاثين كما يحمل المطلق على المقيد و العام على الخاص
و لو نوى المقصر الإقامة عشرا ثم بدا له و عزم على السفر قصر بمجرد تجديد نية السفر من غير توقف على إنشاء سفر جديد ما لم يكن قد صلى و لو فريضة واحدة على التمام فإنه يستمر عليه حينئذ إلى أن يخرج إلى المسافة و لا أعلم في هذا الحكم خلافا بين الأصحاب و قد نقل بعض المتأخرين الإجماع عليه و يدل عليه ما رواه الشيخ عن أبي ولاد الحناط في الصحيح قال قلت لأبي عبد اللّٰه٧إني كنت نويت حين دخلت المدينة أن أقيم بها عشرة أيام فأتم الصلاة ثم بدا لي بعد أن أقيم بها فما ترى لي أتم أم أقصر فقال إن كنت دخلت المدينة و صليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها و إن كنت حين دخلتها على نيتك المقام فلم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا يقيم فأنت في تلك الحال بالخيار إن شئت فانو المقام عشرا و أتم و إن لم تنو المقام فقصر ما بينك و بين شهر فإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة
و ظاهر الأصحاب أن لا يشترط في الرجوع إلى القصر في صورة العدول عن نية الإقامة من غير صلاة كون الباقي مسافة نظرا إلى ظاهر الرواية و قواه الشارح الفاضل و احتمل الاشتراط و يمكن المنازعة في دلالة الرواية على عدم الاشتراط بأن الراوي كوفي و الظاهر من حاله أن عدوله عن الإقامة إنما يكون بالسفر إلى الكوفة فلا ينتهض حجة في صورة عدم كون الباقي مسافة و ينبغي التنبيه على أمور
الأول هل يلحق بالصلاة الفريضة الصوم الواجب فيثبت حكم الإقامة بالشروع فيه مطلقا و إذا زالت الشمس قبل الرجوع عن نية الإقامة أم لا فيه أوجه و اختار أولها المصنف و ثانيها الشارح الفاضل و ثالثها جماعة من الأصحاب منهم الشهيد و الشيخ علي و صاحب المدارك و غيرهم و هو أقرب لنا أن الحكم مطلق بالصلاة الفريضة و تعديته إلى غيره بدون دليل شرعي كما هو الواقع هاهنا قياس محض لا نقول به
و بالجملة مقتضى النص السابق رجوع حكم التقصير عند العدول عن نية الإقامة قبل الصلاة و هو شامل لمن صام أو لم يصم فيكون الحكم ثابتا في الصورتين احتج المفصل بأنه لو فرض أن هذا الصائم سافر بعد الزوال فلا يخلو إما أن يجب عليه الإفطار أو إتمام الصلاة لا سبيل إلى الأول للأخبار الصحيحة الشاملة بإطلاقها و عمومها هذا الفرد الدال على وجوب المضي على الصوم كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه٧أنه سأل عن الرجل يخرج من بيته و يريد السفر و هو صائم قال إن خرج قبل أن ينتصف النهار فليفطر و إن خرج بعد الزوال فليتم يومه
و صحيحة محمد بن مسلم عنه٧إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار عليه صيام ذلك اليوم فقد تعين وجوب إتمام الصوم و حينئذ فلا يخلو إما أن يحكم بانقطاع حكم الإقامة بالرجوع عنها بعد الزوال و قبل الخروج أم لا لا سبيل إلى الأول لاستلزامه وقوع الصوم الواجب سفرا بقرينة الإقامة و صحته و هو غير جائز إجماعا إلا ما استثني من الصوم المنذور على وجه و ما يماثله و ليس هذا منه فثبت الأخير و هو عدم انقطاع الإقامة بالرجوع عنها بعد الزوال سواء سافر حينئذ بالفعل أم لم يسافر إذ لا مدخل للسفر في صحة الصوم و تحقق الإقامة بل حقه إن تحقق عدمها و قد عرفت عدم تأثيرها فيها فإذا لم يسافر بقي على التمام إلى أن يخرج إلى المسافة و هو المصنف
و يرد عليه أنا لا نسلّم وجوب إتمام الصوم و الحال هذه فإن المتبادر من الأخبار المذكورة الخروج من بلده أو غيره مما يجب عليه الإتمام بأن يكون خروجه مبدأ إنشاء السفر و ذلك في محل النزاع ممنوع بل هو أول البحث و لو سلم وجوب الإتمام فلا يلزم منه عدم انقطاع نية الإقامة و لا محذور في وقوع الصوم الواجب في السفر إذا كان بعضه في حال الإقامة إذ لا دليل على امتناع ذلك فإن قيل لو سلم وجوب إتمام الصوم يلزم وجوب إتمام الصلاة لقول الصادق٧في صحيحة معاوية بن وهب إذا قصرت أفطرت و يعلم منه بحكم عكس النقيض أن عدم جواز الإفطار يقتضي عدم جواز التقصير لأنا نقول عموم الرواية المذكورة غير واضح كما يظهر من التدبر في سياق الخبر و على تقدير التسليم فدلالة صحيحة أبي ولاد على عموم الحكم أوضح فارتكاب التخصيص في صحيحة معاوية أقرب و لو سلم عدم الأوضحية فلا خفاء في أن النسبة بين مدلول صحيحة أبي ولاد و ما يفهم من صحيحة معاوية بن وهب بطريق عكس النقيض عموم من وجه و كل منهما قابل للتخصيص فالترجيح يحتاج إلى دليل
و قد يفهم من كلام بعضهم ترجيح رواية أبي ولاد ترجيحا للمنطوق على المفهوم و فيه تأمّل لأن دلالة صحيحة معاوية على ما ذكر ليس من باب المفهوم و إبقاء صحيحة أبي ولاد على عمومها يستلزم التخصيص في منطوق صحيحة معاوية بن وهب كما لا يخفى على المتدبر
الثاني الأظهر أنه لا يلحق بالصلاة الفريضة الصوم المندوب لما مر في الصوم الواجب بل الحكم هاهنا أولى و قوى الشارح الفاضل اللحوق إن منعنا الصوم المندوب في السفر لأنه أمر لا يتم إلا بدون الإقامة و هو ضعيف
الثالث الظاهر أنه لا يعتبر في الصلاة القاطعة لحكم السفر أن يكون فريضة فلو رجع عن نية الإقامة بعد صلاة نافلة فإن كانت ثابتة في السفر فلا ريب في عدم تأثيرها كنافلة المغرب و إلا ففيه قولان أظهرهما عدم التأثير كما هو مختار جماعة من الأصحاب منهم الشهيد في الذكرى عملا بمدلول الرواية و ذهب المصنف في النهاية إلى الاجتزاء بها و قواه الشارح الفاضل
الرابع لو لم يكن صلى الفريضة ثم رجع عن نية الإقامة عاد إلى القصر سواء دخل وقت الصلاة أم لا و سواء فاته وقت الصلاة أم لا سواء كان الترك عمدا أو سهوا لتعليق الحكم بالصلاة الفريضة و لم يتحقق و قطع المصنف في التذكرة بكون الترك كالصلاة نظرا إلى استقرارها في الذمة تماما و تبعه المدقق الشيخ علي و استشكله المصنف في النهاية و الشهيد في الذكرى و لو كان الترك العذر مسقط للقضاء كالجنون و الحيض فالظاهر أنه كمن لم يصل قولا واحدا
الخامس يعتبر كون الصلاة تماما فلا يكفي المقصورة قطعا و هل يشترط كون التمام بنية الإقامة فلا يكفي التمام سهوا إلا قبل نية الإقامة فيه وجهان و لعل الترجيح للاشتراط عملا بظاهر صحيحة أبي ولاد و لو نوى الإقامة ثم صلى تماما لشرف البقعة ذاهلا عن نية الإقامة ثم رجع عن الإقامة فالظاهر أنه يكفي في قطع السفر لعموم الرواية و لو نوى الإقامة عشرا في أثناء الصلاة المقصورة فأتمها ففي الاجتزاء بها وجهان
السادس ظاهر الرواية أن المعتبر إتمام الصلاة فلو شرع في الصلاة بنية الإقامة ثم رجع عن الإقامة في أثنائها لم يكف و إن كان بعد ركوع الثالثة و هو ظاهر المصنف في المنتهى و تردد فيه المحقق في المعتبر و نقل المصنف في التذكرة و المختلف بمجاوزة محل القصر و عدمه و حكي عن المصنف و غيره الاكتفاء بها إذا كان الرجوع بعد ركوع الثالثة و أنهم اختلفوا إذا كان الرجوع بعد القيام إلى الثالثة
و لو خرج قاصد المسافة إلى موضع يحصل فيه الخفاء المعهود و لم يكن قد بلغ المسافة و صلى مقصرا ثم رجع عن السفر فقطع سفره بمجرد الرجوع لم يعد ما صلى قصرا و قد مر بيان ذلك في تحقيق الشرط الثالث و لو كان الرجوع و التردد بعد بلوغ المسافة بقي على القصر إلى أن يقصد إقامة عشرة أيام أو يمضي عليه ثلاثون يوما مترددا قال الشارح و هل يحتسب من الثلاثين ما تردد إلى دون المسافة أو يسلكه من غير قصدها و إن بلغها فيه نظر من وجود حقيقة السفر فلا يضر التردد و من إخلال القصد و توقف في الذكرى
و مع اجتماع الشرائط الستة يجب التقصير وجوبا متعينا و هذا معنى قول الأصحاب إن التقصير عزيمة لا رخصة و هذا الحكم ثابت في جميع الأزمنة إلا في حرم اللّٰه تعالى و حرم رسوله و مسجد الكوفة و الحائر فإن الإتمام فيها أفضل من التقصير اختلف الأصحاب في هذه المسألة فذهب الأكثر إلى ثبوت التخيير في المواضع الأربعة بين القصر و الإتمام و أن الإتمام أفضل و نسبه المحقق إلى الثلاثة و أتباعهم و قال ابن بابويه يقصر ما لم ينو المقام عشرة