نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣٧ - سورة الدّخان
أمستعبرا يبكي من الهون و البلى # و آخر يبكي شجوه و يئيم [١]
فإذا لم يكن لهؤلاء القوم الذين أخبر اللّه عن بوارهم مقام صالح في الأرض، و لا عمل كريم يرفع إلى السماء جاز أن يقال: فما بكت عليهم السماء و الأرض.
و يمكن في الآية وجه خامس، و هو أن يكون البكاء فيها كناية عن المطر و السّقيا؛ لأنّ العرب تشبّه المطر بالبكاء، و يكون معنى الآية أنّ السماء لم تسق قبورهم، و لم تجد عليهم بالقطر؛ على مذهب العرب المشهور في ذلك؛ لأنّهم كانوا يستسقون السحاب لقبور من فقدوه من أعزائهم، و يستنبتون لمواضع حفرهم الزّهر و الرّياض؛ قال النابغة:
فما زال قبر بين تبنى و جاسم # عليه من الوسميّ طلّ و وابل [٢]
فينبت حوذانا و عوفا منوّرا # سأتبعه من خير ما قال قائل [٣]
و كانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام [٤] ، و مسألة اللّه لهم الرضوان، و الفعل الذي أضيف إلى السماء-و إن كان لا يجوز إضافته إلى الأرض-فقد
[١] حاشية بعض النسخ: «المستعبر: الذى يأتي بالعبرة، و هي سين الطلب، و «مستعبرا» ، بدل الجازعين. و يهيم، أي يصير هائما، قال اللّه تعالى: فِي كُلِّ وََادٍ يَهِيمُونَ .
[٢] ديوانه: ٦٢. و الرواية فيه:
سقى الغيث قبرا بين بصرى و جاسم # بغيث من الوسميّ قطر و وابل
و تبنى و جاسم: موضعان بالشام. و في حاشية بعض النسخ: «الوسمي: أول المطر، و هو الذي يأتي في الخريف، و الخريف عند العرب ربيع، و الربيع صيف، و الصيف قيظ» .
[٣] حاشية بعض النسخ: «فينبت، النصب في جواب التمني، و الحوذان: نبت، يقال له بالفارسية مشكك، و عوف: نبت أيضا و منورا، أخرج النور» .
و قال البطليوسي شارح الديوان: «الحوذان و العوف نباتان؛ إلاّ أن الحوذان أطيب رائحة؛ و أنشد سيبويه هذا البيت بالرفع؛ و لم يجعله جوبا؛ أراد: و ذلك ينبت حوذانا، أي ينبت الحوذان على كل حال» .
[٤] حاشية بعض النسخ: «قال مولانا «رحمة اللّه عليه» عن ابن الأعرابي: إن العرب إنّما تستسقي القبور لأنها إذا سقيت و عم القطر أعشب المكان؛ فحضره القوم للرعي، و ترحموا على الموتى» .