نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣٦ - سورة الدّخان
فأمّا بيت جرير فقد قيل في انتصاب النجوم و القمر وجوه ثلاثة:
أحدها: أنّه أراد الشمس طالعة و ليست مع طلوعها كاسفة نجوم الليل و القمر، لأنّ عظم الرزء قد سلبها ضوءها؛ فلم يناف طلوعها ظهور الكواكب.
و الوجه الثاني: أن يكون انتصاب ذلك كما ينتصب في قولهم: لا أكلّمك الأبد و الدهر، و طوال المسند، و ما جرى مجرى ذلك، فكأنّه أخبر بأنّ الشمس تبكيه ما طلعت النجوم و ظهر القمر.
و الوجه الثالث: أن يكون القمر و نجوم الليل باكين الشمس على هذا المرثي المفقود، فبكتهن؛ أي غلبتهنّ بالبكاء؛ كما تقول: باكاني عبد اللّه فبكيته، و كاثرني فكثرته، أي غلبته و فضلت عليه.
و ثالثها: أن يكون معنى الآية الاخبار عن أنّه لا أحد أخذ بثأرهم و لا انتصر لهم، لأنّ العرب كانت لا تبكي على قتيل إلاّ بعد الأخذ بثأره، و قتل من كان بواء به من عشيرة القاتل، فكنّي تعالى بهذا اللفظ عن فقد الانتصار، و الأخذ بالثأر؛ على مذهب القوم الذين خوطبوا بالقرآن.
و رابعها: أن يكون ذلك كناية عن أنّه لم يكن لهم في الأرض عمل صالح يرفع منها إلى السماء. و يطابق هذا التأويل ما روي عن ابن عباس رحمه اللّه في قوله تعالى: فَمََا بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّمََاءُ وَ اَلْأَرْضُ قيل له: أو تبكيان على أحد؟فقال:
نعم، مصلاّه في الأرض، و مصعد عمله في السماء. و روى أنس بن مالك عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: «ما من مؤمن إلاّ و له باب يصعد منه عمله، و باب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه» ، و معنى البكاء ههنا الإخبار عن الاختلال بعده كما يقال: بكى منزل فلان بعده، قال ابن مقبل:
لعمر أبيك لقد شاقني # مكان حزنت له أو حزن
و قال مزاحم العقيليّ:
بكت دارهم من أجلهم و تهلّلت # دموعي فأيّ الجازعين ألوم [١]
[١] ديوانه: ١٥-١٦.