نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٦٨ - سورة ص
لا تقتضي إضافة قبيح إليه تعالى، و قد قيل في ذلك أشياء: منها: انّ سليمان عليه السّلام قال يوما في مجلسه و فيه جمع كثير: «لأطوفنّ الليلة على مائة امرأة تلد كلّ امرأة منهنّ غلاما يضرب بالسيف في سبيل اللّه» و كان له فيما روي عدد كثير من السراري، فأخرج كلامه على سبيل المحبّة بهذا الحال، فنزّهه اللّه تعالى عن الكلام الّذي ظاهره الحرص على الدنيا و التثبّت بها؛ لئلا يقتدى به في ذلك، فلم تحمل من نسائه إلاّ امرأة واحدة فألقت ولدا ميتا، فحمل حتّى وضع على كرسيّه جسدا بلا روح؛ تنبيها له على أنّه ما كان يجب بأن يظهر منه ما ظهر، فاستغفر ربّه و فزع إلى الصلاة و الدعاء.
و هذا الوجه إذا صحّ ليس يقتضي معصية صغيرة على ما ظنّه بعضهم حتّى نسب الاستغفار و الإنابة إلى ذلك؛ و ذلك لأنّ محبّة الدنيا على الوجه المباح ليس بذنب و إن كان غيره أولى منه، و الاستغفار عقيب هذا الحال لا يدلّ على وقوع ذنب في الحال و لا قبلها، بل يكون محمولا على ما ذكرناه آنفا في قصة داود عليه السّلام من الانقطاع إلى اللّه تعالى و طلب ثوابه.
فأمّا قول بعضهم: إنّ ذنبه من حيث لم يستثن بمشيئة اللّه تعالى لما قال:
«تلد كلّ امرأة واحدة منهنّ غلاما» و هذا غلط؛ لأنّه عليه السّلام و إن لم يستثن ذلك لفظا قد استثناه ضميرا و اعتقادا؛ إذ لو كان قاطعا مطلقا للقول لكان كاذبا أو مطلقا لما لا يأمن أن يكون كذبا، و ذلك لا يجوز عند من جوّز الصغائر على الأنبياء عليهم السّلام.
و أمّا قول بعضهم: إنّه عليه السّلام إنّما عوتب و استغفر لأجل أنّ فريقين اختصما إليه، أحدهما من أهل جرادة امرأة له كان يحبّها، فأحبّ أن يقع القضاء لأهلها فحكم بين الفريقين بالحقّ، و عوتب على محبّة موافقة الحكم لأهل امرأته، فليس هذا أيضا بشيء؛ لأنّ هذا المقدار الّذي ذكروه ليس بذنب يقتضي عتابا إذا كان لم يرد القضاء بما يوافق امرأته على كلّ حال، بل مال طبعه إلى أن يكون الحقّ موافقا لقول فريقها، و إن يتفق أن يكون في جهتها من غير أن يقتضي ذلك ميلا منه إلى الحكم أو عدولا عن الواجب.