نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٦٦ - سورة ص
بالحجاب و غابت كان ذلك سببا لترك عبادة كان يتعبّد بها بالعشي، و صلاة نافلة كان يصلّيها فنسيها شغلا بهذه الخيل و إعجابا بتقليبها، فقال هذا القول على سبيل الاغتمام لما فاته من الطاعة.
و هذا الوجه أيضا لا يقتضي إضافة قبيح إليه عليه السّلام؛ لأنّ ترك النافلة ليس بقبيح و لا معصية.
و أمّا قوله تعالى: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ اَلْأَعْنََاقِ فقد قيل فيه وجوه:
منها: أنّه عرقبها و مسح أعناقها و سوقها بالسيف من حيث شغلته عن الطاعة، و لم يكن ذلك على سبيل العقوبة لها، لكن حتّى لا يتشاغل في المستقبل بها عن الطاعات؛ لأنّ للانسان أن يذبح فرسه لأكل لحمها، فكيف إذا انضاف إلى ذلك وجه آخر يحسنه.
و قد قيل: إنّه يجوز أن يكون لمّا كانت الخيل أعزّ ماله عليه أراد أن يكفّر عن تفريطه في النافلة فذبحها و تصدّق بلحمها على المساكين.
قالوا فلمّا رأى حسن الخيل راقته و أعجبته، أراد أن يقترب إلى اللّه تعالى بالمعجب له الرائق في عينه؛ و يشهد بصحة هذا المذهب قوله تعالى: لَنْ تَنََالُوا اَلْبِرَّ حَتََّى تُنْفِقُوا مِمََّا تُحِبُّونَ [١] ، فأمّا أبو مسلم فإنّه ضعّف هذا الوجه و قال: لم يجر للسيف ذكر فيضاف إليه المسح، و لا يسمّى العرب الضرب بالسيف و القطع به مسحا، قال فإن ذهب ذاهب إلى قول الشاعر:
مدمن يجلو بأطراف الذّرى # دنس الأسوق بالعضب الأفل
فانّ هذا الشاعر يعني انّه عرقب الابل للأضياف فمسح بأسنمتها ما صار على سيفه من دنس عراقبها، و هو الدّم الّذي أصابه منها؛ و ليس في الآية ما يوجب ذلك و لا ما يقاربه.
و ليس الّذي أنكره أبو مسلم بمنكر؛ لأنّ أكثر أهل التأويل-و فيهم من يشار
[١] سورة آل عمران، الآية: ٩٢.