نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٤٦ - سورة يس
للتعقيب، و هذا يقتضي حدوث القول بحدوث ما يتعقّبه؛ و لأنّ القديم يجب أن يكون سابقا للحوادث بما يتقدّر بقدر ما لا يتناهى عن الأوقات.
و ممّا قيل لهم على هذه الشبهة: إنّ الذّاوات المحدثات لو كانت موجبة عن لفظة «كن» ، لوجب قدم جميع الحوادث؛ لأنّ الموجب إذا صحّ اجتماعه من الموجب، وجد معه و لم يتراخى عنه، و إنّما تراخي العلم عن النظر لاستحالة وجوده معه، و كذلك ما يولّده الاعتماد إنّما يتراخى عنه؛ لأنّ من شرط أن يولّده في جهته و جهة ما يلي المحاذاة التي هو فيها، فلا يجوز على هذا أن يولّد الكون لمحلّه في مكانه؛ لأنّه يقتضي أن يكون ولّد لا في جهته، و لا يجوز أن يولّد الكون له في المكان الثاني في حال وجوده؛ لأنّه يقتضي كون الجسم في المكانين في وقت واحد.
و هذا كلّه مرتفع في إيجاب «كن» للمحدثات، لجواز اجتماعهما مع ما يوجبه، ألزموهم حاجة القديم تعالى في الإيجاد إلى هذه اللفظة، و أن نكون نحن أيضا فيما نوجده نحتاج إليها؛ لأنّ ما يحتاج هو تعالى إليه نحن بالحاجة إليه أولى؛ لأنّه تعالى قد يستغني من أشياء كثيرة نحتاج إليها نحن في الأفعال [١] .
و إذا صحّت الجملة التي قدّمناها، فقد كان القياس يقتضي-لو لا ضرب من التعارف و سببيّته-أن يسمّى القرآن، و كلّ كلام وقع مقدرا مقصودا به إلى وجه من وجوه الحكمة، بأنّه مخلوق، و لكنّهم تعارفوا لفظة «الخلق» و «الاختلاق [٢] » في الكلام إذا كان كذبا مضافا إلى غير قائله، و لهذا يقولون فيمن كذب أنّه «خلق، و إختلق، و خرق و إخترع و افتعل، كلّ ذلك بمعنى ذلك واحد، و في التنزيل: وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَنََاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ [٣] ، و يقولون في القصيدة: إنّها مخلوقة متى أضيفت إلى غير قائلها، لأنّ إضافتها إلى غير قائلها كذب، و إن كانت هي في نفسها تتضمّن الصدق؛ لأنّهم راعوا في هذه اللفظة-إذا استعملوها في الكلام-معنى الكذب.
[١] الملخص، ٢: ٤٣٨.
[٢] في الأصل: الاختلاف.
[٣] سورة الأنعام، الآية: ١٠٠.