نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣١٤ - سورة غافر
و كذلك الحال فيما تمكّن به من طاعته و امتثال أوامره من الاموال و الالات، في أنّه لا يصلح لمعصيته و ارتكاب ما نهى عنه، كما يصلح لطاعته و امتثال أمره.
و في علمنا بأنّ الممكّن منّا قد يكون ممكّنا من عدوّه دون نفسه و وليّه من طاعته دون معصيته، و أنّ الجاحد لذلك متجاهل دافع لما يعلم بالاضطرار دلالة على وجوب اعتبار قصد الممكّن و غرضه، دون ما يصلح له ما مكّن به.
و إذا ثبت هذا وجب اعتبار حال الممكّن، فإن كان قصد بما مكّن الحسن دون القبيح. قيل له: مكّن من الحسن دون القبيح، و إن كان ما مكّن به يصلح القبيح-و كذلك إن كان قصده بما مكّن و غرضه القبيح دون الحسن-قيل له:
إنّه مكّن من القبيح دون الحسن، و إن كان ما مكّن به يصلح للحسن.
و متى لم يعتبر هذا الاعتبار، خرج في المعنى من الإطلاق في اللغة و العرف و المعقول، و لزم أن لا يكون في العالم من يطلق عليه التمكين من الحسن دون القبيح، و الطاعة دون المعصية، و النصرة دون الخذلان، و في هذا ما قدّمناه من التجاهل.
و إذا وجب اعتبار القصد و الغرض في التمكين، وجب الرجوع إلى حال الممكّن، دون الرجوع إلى حال ما تمكّن به، فإن علم من قصده و غرضه و إن لم يعلم ضرورة استدلّ بحال الممكّن و بما يتبع ما مكّن به من أمر و نهي و ترغيب و دعاء و حثّ و وعد، إلى غير ذلك ممّا ينبىء عن قصده و يوضح عن غرضه، و يتبع الإطلاق و الوصف له.
و قد ثبت أنّ اللّه تعالى لا قصد له إلى القبيح، فلا غرض له فيه؛ لأنّه عالم بقبحه و نفيناه عنه، و لمقارنة الأمر و الترغيب و الدعاء و الحثّ و الزجر و الوعد بالثواب للواجبات و المحسنات، و لمقارنة النهي و التخويف و الزجر و الوعيد للمقبحات، علم أنّه مكّن من الطاعات دون المعصية، وجب إطلاق ذلك دون غيره.