نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٧٣ - سورة ص
فأمّا ما روي في هذا الباب عن جهلة المفسّرين فممّا لا يلتفت إلى مثله؛ لأنّ هؤلاء لا يزالون يضيفون إلى ربّهم تعالى و إلى رسله عليهم السّلام كل قبيح و منكر، و يقذفونهم بكلّ عظيم. و في روايتهم هذه السخيفة ما إذا تأمّله المتأمّل علم أنّه موضوع باطل مصنوع؛ لأنّهم رووا أن اللّه تعالى سلّط إبليس على مال أيوب عليه السّلام و غنمه و أهله، فلمّا أهلكهم و دمّر عليهم و رأى من صبره عليه السّلام و تماسكه، قال إبليس لربّه: يا ربّ، إنّ أيّوب قد علم أنّك ستخلف عليه ماله و ولده فسلّطني على جسده، فقال تعالى: سلّطتك على جسده كلّه إلاّ قلبه و بصره، قال: فأتاه فنفخه من لدن قرنه إلى قدمه فصار قرحة واحدة، فقذف على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين و أشهرا تختلف الدوابّ على جسده، إلى شرح طويل نصون كتابنا عن ذكر تفصيله، فمن يقبل عقله هذا الجهل و الكفر كيف يوثّق روايته، و من لا يعلم أنّ اللّه تعالى لا يسلّط إبليس على خلقه، و أنّ إبليس لا يقدر على أن يقرح الأجساد و لا[أن]يفعل الأمراض كيف يعتمد روايته؟.
فأمّا هذه الأمراض العظيمة النازلة بأيّوب عليه السّلام فلم تكن إلاّ اختبارا و امتحانا و تعريضا للثواب بالصبر عليها و العوض العظيم النفيس في مقابلتها، و هذه سنّة اللّه تعالى في أصفيائه و أوليائه عليهم السّلام، فقد روي عن الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: -و قد سئل أيّ الناس أشدّ بلاء-فقال: «الأنبياء ثمّ الصالحون ثمّ الأمثل فالأمثل من الناس» فظهر من صبره عليه السّلام على محنته و تماسكه ما صار به إلى الآن مثلا، حتّى روي أنّه كان في خلال ذلك كلّه صابرا شاكرا محتسبا ناطقا بما له فيه المنفعة و الفايدة، و أنّه ما سمعت له شكوى و لا تفوّه بتضجر و لا تبرّم، فعوّضه اللّه تعالى مع نعيم الآخرة العظيم الدائم أن ردّ عليه ماله و أهله و ضاعف عددهم في قوله تعالى: وَ آتَيْنََاهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ [١] و في سورة «ص» :
وَ وَهَبْنََا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ [٢] ، ثمّ مسح ما به من العلل و شفاه و عافاه و أمره على ما وردت به الرواية، بأن أركض برجلك الأرض فظهرت له عين فاغتسل
[١] سورة الأنبياء، الآية: ٨٤.
[٢] سورة ص، الآية: ٤٣.