نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٧٤ - سورة ص
منها فتساقط ما كان على جسده من الداء. قال اللّه تعالى: اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هََذََا مُغْتَسَلٌ بََارِدٌ وَ شَرََابٌ [١] و الركض هو التحريك و منه ركضت الدابة.
فإن قيل، أفتصحّحون ما روي أنّ الجذام أصابه حتّى تساقطت أعضاؤه؟
قلنا: إنّ العمل المستقذرة الّتي ينفر من رآها و توحشه كالبرص و الجذام، فلا يجوز شيء منها على الأنبياء عليهم السّلام لما تقدّم ذكره في صدر هذا الكتاب؛ لأنّ النفور ليس بواقف على الأمور القبيحة، بل قد يكون من الحسن و القبيح معا. و ليس ينكر أن يكون أمراض ايوب عليه السّلام و أوجاعه و محنته في جسمه ثم في أهله و ماله بلغت مبلغا عظيما يزيد في الغمّ و الألم على ما ينال المجذوم، و ليس ننكر تزايد الألم فيه عليه السّلام، و إنّما ننكر ما اقتضى التنفير.
فإن قيل: أفتقولون: إنّ الغرض ممّا ابتلي به أيوب عليه السّلام كان الثواب أو العوض أو هما على الاجتماع؟
و هل يجوز أن يكون ما في هذه الآلام من المصلحة و اللطف حاصلا في غيرها ممّا ليس بألم أم تمنعون من ذلك؟
قلنا: أمّا الآلام الّتي يفعلها اللّه تعالى لا على سبيل العقوبة فليس يجوز أن يكون غرضه عزّ و جلّ فيها العوض من حيث كان قادرا على أن يبتدي بمثل العوض، بل الغرض فيها المصلحة و ما يؤدّي إلى استحقاق الثواب، فالعوض تابع و المصلحة أصل، و إنّما يخرج بالعوض من أن يكون ظلما و بالغرض من أن يكون عبثا.
فأمّا الألم، إذا كان فيه مصلحة و لطف، و هناك في المعلوم ما يقوم مقامه فيهما، إلاّ أنّه ليس بألم، إمّا بأن يكون لذّة أو ليس بألم و لا لذّة، ففي الناس من ذهب إلى أن الألم لا يحسن في هذا الموضع، و إنّما يحسن بحيث لا يقوم مقامه ما ليس بألم في المصلحة، و الصحيح انّه حسن، و اللّه تعالى مخيّر في فعل أيّهما شاء، و الدليل على صحّة ما ذكرناه أنّه لو قبح-و الحال هذه-لم يخل من أن
[١] سورة ص، الآية: ٤٢.