نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٧١ - سورة ص
بعدك» ، تريد و لا أطيع أحدا سواك. و لا تريد بلفظة «بعد» المستقبل، و هذا وجه قريب.
و قد ذكر أيضا في هذه الآية و ممّا لم يذكر فيها ممّا يحتمله الكلام، أن يكون عليه السّلام إنّما سأل ملك الآخرة و ثواب الجنّة الّتي لا يناله المستحقّ إلاّ بعد انقطاع التكليف و زوال المحنة، فمعنى قوله: لاََ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أي لا يستحقّه بعد وصولي إليه أحد من حيث لا يصحّ أن يعمل ما يستحقّ به لانقطاع التكليف؛ و يقوّي هذا الجواب قوله: رَبِّ اِغْفِرْ لِي و هو من أحكام الآخرة.
و ليس لأحد أن يقول: إنّ ظاهر الكلام بخلاف ما تأوّلتم؛ لأنّ لفظة بَعْدِي لا يفهم منها بعد وصولي إلى الثواب؛ و ذلك أن الظاهر غير مانع من التأويل الّذي ذكرناه، و لا مناف له؛ لأنّه لا بدّ من أن تعلّق لفظة بَعْدِي بشيء من أحواله المتعلقة به، و إذا علّقناها بوصوله إلى الملك كان ذلك في الفايدة و مطابقة الكلام كغيره ممّا يذكر في هذا الباب. ألا ترى أنّا إذا حملنا لفظة «بعدي» على نبوتي أو بعد مسألتي أو ملكي، كان ذلك كلّه في حصول الفايدة به يجري مجرى أن تحملها إلى بعد وصولي إلى الملك؛ فإنّ ذلك ممّا يقال فيه أيضا: «بعدي» ؟ألا ترى أنّ القائل يقول: «دخلت الدار بعدي» و «وصلت إلى كذا و كذا بعدي» ، و إنّما يريد بعد دخولي و بعد وصولي؟و هذا واضح بحمد اللّه [١] .
- وَ اُذْكُرْ عَبْدَنََا أَيُّوبَ إِذْ نََادىََ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ اَلشَّيْطََانُ بِنُصْبٍ وَ عَذََابٍ [ص: ٤١].
فإن قيل: فما قولكم في الأمراض و المحن الّتي لحقت أيّوب عليه السّلام أو ليس قد نطق القرآن بأنّها كانت جزاء على ذنب في قوله: أَنِّي مَسَّنِيَ اَلشَّيْطََانُ بِنُصْبٍ وَ عَذََابٍ و العذاب لا يكون إلاّ جزاء كالعقاب، و الآلام الواقعة على سبيل الامتحان لا تسمّى عذابا و لا عقابا، أو ليس قد روى جميع المفسرين أنّ اللّه تعالى إنّما عاقبه بذلك البلاء لتركه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و قصّته مشهورة يطول شرحها؟
[١] تنزيه الأنبياء و الأئمّة: ١٣٩.
غ