معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٥٤ - فتح الروافد الاسرائيلية
يمكث في المجتمع الإسلامي الناشئ إلاّ وقتا قصيرا لا يكفي ليتطبع فيه بالطبع الإسلامي الجديد عليه و يتمرّن عليه ليستطيع أن يؤثّر على ذلك المجتمع ذي الحضارة الرومية الّذي امتدّت حضارته إلى آماد بعيدة في الدهر، بل هو الّذي تأثّر به.
و كان معاوية يبعد من ذلك المجتمع من كان يعترض سبيله من صحابة تطبعوا بالطابع الإسلامي الأصيل نظراء أبي ذرّ و أبي الدرداء و قرّاء أهل الكوفة [١] .
كلّ تكلم كانت عوامل أدّت إلى صبغ مدرسة الخلفاء منذ عصر معاوية بطابع ثقافة أهل الكتاب، و لم تدرس تلك العوامل حتّى اليوم دراسة موضوعية ليعرف مدى أثرها على تلكم المدرسة.
و كان معاوية بالإضافة إلى ما ذكرنا متطبعا بالطابع الجاهليّ ملتزما بأعرافه من التعصّب القبلي، و إحياء آثاره [٢] ، و كانت له مع ذلك أهداف اخرى من قبيل توريث السلطة في عقبه، و كسر شوكة المعارضين له من المحافظين الذي يشهرون في وجهه سلاح سيرة الرسول، و كان لا بدّ له في علاج كلّ ذلك-للوصول إلى أغراضه الجاهلية و أهدافه الخاصّة-أن يصنع شيئا، فاستمدّ في هذا السبيل من بعض بقايا
[١] راجع «أحاديث أم المؤمنين عائشة» فصل (مع معاوية) ص ٢٣٧، و شرح النهج للمعتزلي ط. مصر الأولى ١/١٥٩-١٦٠.
[٢] في الأغاني ط. دار الكتب ٢/٢٤١-٢٥١.
عند ما كان مروان واليا لمعاوية على المدينة، حدّ عبد الرحمن بن أرطاة على شرب الخمر. و كان في الجاهلية حليف حرب جد معاوية، فكتب إليه معاوية أما بعد فإنّك جلدت حليف حرب أمام الناس ثمانين جلدة، و لو كان حليف أبيك الحكم لما فضحته. أما و اللّه إمّا ان تفسد حدّك و تعلن خطأك و ترد اعتباره، أو أن ابطل حدّك و آمره بجلدك ثمانين قصاصا... ففعل مروان ما أمره معاوية، الحديث.
و من ذلك أيضا إلحاقه زيادا بنسب أبيه وفقا للأعراف الجاهلية، و خلافا للأحكام الإسلامية، و الّتي تنصّ على أن الولد للفراش و للعاهر الحجر. راجع أحاديث أمّ المؤمنين عائشة و فصل استلحاق زياد من عبد اللّه ابن سبأ ج ١.
و روى ابن عبد ربّه في العقد الفريد ج ٣/٤١٣ أنّ معاوية دعا الأحنف بن قيس و سمرة بن جندب فقال: «انّي رأيت هذه الحمراء (لقب يطلق على غير العرب) قد كثرت، و أراها قد طعنت على السلف و كأنّي أنظر إلى وثبة منهم على العرب و السلطان، فقد رأيت أن أقتل شطرا و أدع شطرا لإقامة السوق و عمارة الطريق... » .
فخالفه الأحنف و ردّ عليه، و قال سمرة «اجعلها إلي أيّها الأمير فأنا أتولى ذلك منهم و أبلغ إلى ما تريد منه» و أخيرا عدل معاوية عن رأيه في قتلهم.