معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٣٦٢ - شكوى الإمام علي (ع) من تغيير السنّة النبوية
الأئمة من ولده مع معاصريهم و خاصّة الامامين الباقر و الصادق أنّ ما كان لدى الأئمة من تفسير القرآن و أحاديث كانت تخالف ما كان منها لدى أصحاب مدرسة الخلفاء و مردّ ذلك و سببه أن الخلفاء (الراشدين) الثلاثة لمّا كانوا قد منعوا الصحابة من نشر الحديث عن رسول اللّه و روّجوا للقصّاصين أمثال تميم الداري راهب النصارى، و كعب أحبار اليهود [١] فنشر هؤلاء الاسرائيليات و أخذ منهم بعض الصحابة [٢] فانتشر لدى المسلمين زيف كثير، و في مقابل هؤلاء جاهد الإمام علي و شيعته من الصحابة أمثال سلمان و أبي ذرّ و عمّار و المقداد في نشر أحاديث الرسول و سيرته فظهر الخلاف بين المدرستين في هذا الأمر، و تحمّل بسببه بعضهم ما تحمّل من التشريد و التعذيب [٣]
و بالإضافة إلى هذا كان الخلفاء قبله قد غيّروا و بدّلوا من سنّة الرسول ما يخالف سياستهم ممّا سمّاه اتباعهم من بعد باجتهاد الخلفاء أمثال ما شرحناه من موارد اجتهاد الخلفاء في ما سبق، فلمّا جاء الإمام إلى الحكم بعدهم حاول أن يعيد الأمّة الإسلامية إلى سنّة الرسول، و يغيّر سنن الخلفاء الراشدين الثلاثة، فلم ينجح، كما شرح ذلك لخاصّته في حديثه الآتي:
و إنّما بدء وقوع الفتن من أهواء تتّبع و أحكام تبتدع، يخالف فيها حكم اللّه يتولّى فيها رجال رجالا، ألا إنّ الحقّ لو خلص لم يكن اختلاف و لو أنّ الباطل خلص لم يخف على ذي حجى، لكنّه يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث [٤] فيمزجان فيجلّلان [٥] معا، فهنا لك يستولي الشيطان على أوليائه و نجا الّذين سبقت لهم من اللّه الحسنى [٦] ، إنّي سمعت رسول اللّه (ص) يقول: كيف أنتم إذا ألبستكم فتنة يربو فيها الصغير [٧] و يهرم فيها الكبير، يجري الناس عليها و يتّخذونها سنّة فإذا غيّر منها شيء قيل:
قد غيّرت السنّة و قد أتى الناس منكرا، ثمّ تشتدّ البليّة و تسبي الذريّة، و تدقّهم الفتنة كما
[١] نقصد براهب النصارى و كعب أحبار اليهود ما كانا عليه قبل أن يظهرا الإسلام.
[٢] لقد شرحنا ذلك في كتابنا: «من تاريخ الحديث» و أشرنا إليه في باب (أحاديث الرسول) .
[٣] اشرنا الى ذلك في ما سبق.
[٤] الضغث-بالكسر-قبضة من حشيش مخالطة الرطب باليابس.
[٥] جللت الشيء؛ إذا غطيته. و في النسخ[فيجتمعان]و في بعضها[فيجلبان].
[٦] الى هنا أوردها الرضي في نهج البلاغة و رقم الخطبة في طبعة ٤٩ و اخرى ٥٠.
[٧] أي يكبر و هو كناية عن امتدادها.