معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٢٤٦ - خلاصة البحث
«انّ اللّه تعالى قد أدخل عليكم في حجّكم هذا عمرة، فإذا قدمتم فمن تطوّف بالبيت و بين الصفا و المروة فقد حلّ إلاّ من كان معه هدي. و في سرف بلّغ ذلك عامة أصحابه فقال: من لم يكن معه هدي فأحبّ أن يجعلها عمرة فليفعل. قالت عائشة: فالآخذ بها و التارك لها من أصحابه، و كرّر التبليغ بها في بطحاء مكّة و قال «من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها» .
قال المؤلّف: يظهر ممّا سبق أنّ النبيّ تدرّج في تبليغهم حكم عمرة التّمتّع فإنّه أخبر في العقيق عمر خاصّة بنزول الوحي عليه يأمره أن يجمع هو بنفسه (ص) بين الحجّ و العمرة، و في عسفان بلّغ سراقة أنّ اللّه أدخل عليهم في حجّهم الّذي هم فيه عمرة و أنّ من تطوّف بالبيت و بين الصفا و المروة فقد حلّ إلاّ من كان معه الهدي، و في سرف بلّغ عامّة أصحابه بالحكم فالآخذ بها و التارك لها من أصحابه، و يظهر أنّ التارك لها من أصحابه كانوا من مهاجرة قريش الذين كانوا يرونها في الجاهلية من أفجر الفجور من أجل ذلك تدرّج الرسول في تبليغهم حكم التّمتّع بالعمرة.
حتّى إذا كان بين الصفا و المروة [١] و حان وقت الأداء نزل عليه القضاء فأمر أصحابه-و هو في آخر طوافه على المروة-من كان منهم أهلّ بالحجّ و لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة و قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي و لكنّي لبّدت رأسي و سقت هديي و لا يحلّ منّي حرام حتى يبلغ الهدي محلّه. فقام إليه سراقة و قال:
اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم؛ أ عمرتنا لعامنا هذا أمّ للأبد؟فقال «لا: بل للأبد» مرّتين و شبّك أصابعه واحدة في الأخرى و قال: «دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة» مرّتين.
هاهنا قامت قيامة من كان يرى العمرة محرّمة في أشهر الحجّ من أصحابه و تعاظم ذلك عندهم و ضاقت به صدورهم فقالوا: يا رسول اللّه!أيّ الحلّ؟قال:
«الحلّ كلّه» «هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده الهدي فليحلّ الحلّ كلّه فانّ العمرة قد دخلت في الحجّ إلى يوم القيامة» و قال: «أقيموا حلالا حتّى إذا كان يوم التروية فأهلّوا بالحجّ و اجعلوا الّتي قدمتم متعة» قالوا: كيف نجعلها متعة و قد سمّينا الحجّ؟!قال «افعلوا ما آمركم به فإنّي لو لا أنّي سقت الهدي لفعلت مثل الّذي أمرتكم به» و قال «أحلّوا و أصيبوا النساء» [٢] ففشت في ذلك القالة و بلغه أنّهم يقولون
[١] راجع قبله ١٩٥.
[٢] راجع قبله ص ٢٠٦.