معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٤٩ - على عهد معاوية
عليّ لأنفذتها» [١] .
و في هذا العصر-أيضا-كان ما رواه الأحنف بن قيس قال: أتيت الشام فجمّعت [٢] فاذا رجل لا ينتهي الى سارية إلاّ خرّ [٣] أهلها، يصلي و يخفّ صلاته. قال:
فجلست إليه، فقلت له: يا عبد اللّه من أنت؟قال أنا أبو ذرّ، فقال لي: فأنت من أنت؟قال: قلت: الأحنف بن قيس. قال: قم عنّي لا أعديك بشّر، فقلت له: كيف تعديني بشّر، قال: إنّ هذا-يعني معاوية-نادى مناديه: «ألاّ يجالسني أحد» [٤] .
و من أجل مخالفته لأوامر السلطة، نفي أبو ذر من بلد إلى بلد حتّى لقي حتفه طريدا فريدا بالربذة سنّة ٣١ ه.
كان هذا في النصف الأوّل من خلافة عثمان، و لما انتكث أمره في النصف الثاني من خلافته و قام في وجهه أمثال أمّ المؤمنين عائشة، و طلحة و الزبير، و عمرو بن العاص و غيرهم من الصحابة و التابعين، لم يبق محظور أمام من أراد رواية سنّة الرسول (ص) من الصحابة، فنشر في هذا العصر شيء منها، غير أنّها لم تدوّن على عهد الإمام عليّ (ع) .
روى الصحابة على عهده الشيء الكثير من سنّة الرّسول (ص) ممّا كان محظورا عليهم روايتها قبل عهده، و ظهر الاختلاف جليّا في ما رووا من سنّة الرسول (ص) مع اجتهادات الخلفاء الثلاثة ممّا ذكرناه في آخر الفصل الرابع من هذا الكتاب.
هذه أمثلة ممّا كان على عهد الخلفاء الثلاثة من الحظر على الصحابة في نشر أحاديث الرسول (ص) ، غير أنهم جمجموا في الكلام و لم يفصحوا عن السبب كما فعله معاوية على عهده.
على عهد معاوية
روى الطبري أنّ معاوية لمّا استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى
[١] انما قلنا كان ذلك في عصر عثمان لان أحدا من الصحابة ما كان يجرأ على تحدّي أوامر السلطة على عهد الخليفة عمر، و الرواية في سنن الدارمي ١/١٣٢، و طبقات ابن سعد ٢/٣٥٤ بترجمة أبي ذر و اختزلها البخاري و أوردها في باب العلم قبل القول في صحيحه ١/١٦١، و أجاز على الجريح: أجهز عليه.
[٢] فجمّعت: أي حضرت الصلاة يوم الجمعة.
[٣] لعل الصواب: فر أهلها.
[٤] طبقات ابن سعد ٤/١٦٨.
و أبو بحر الأحنف بن قيس التميمي السعدي لقب بالاحنف لحنف كان برجله. أدرك الرسول و لم يره.
اعتزل الحرب في الجمل و شهد صفين مع الإمام علي، و توفي بالكوفة سنة سبع و ستين. روى عنه جميع أصحاب الصحاح. ترجمته بأسد الغابة و تقريب التهذيب.