الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ٦٦
كان بعضهم في أيام صغره أشد ورعا منه في أيام كبره، و قد أنشأ هذا المضمون بقوله:
عصيت هوى نفسي صغيرا و عند ما # أتتني الليالي بالمشيب و بالكبر
أطعت الهوى عكس القضية ليتني # خلقت كبيرا ثم عدت إلى الصغر
قال في مروج الذهب: و قد كان سعى بأبي الحسن علي بن محمد الهادي (ع) إلى المتوكل، و قيل له: أنّ في منزله سلاحا و كتبا و غيرها من شيعة أهل قم، و أنّه عازم على الملك، فبعث إليه جماعة من الأتراك [١] فهجموا عليه ليلا على غفلة فلم يجدوا في داره شيئا و وجدوه في بيت وحده مغلق عليه و هو يقرأ القرآن، و عليه مدرعة من صوف، و هو جالس على الرمل و الحصى و على رأسه ملحفة من الصوف متوجها إلى ربه يترنّم بآيات في الوعد و الوعيد.
قال: فحمل على تلك الحال إلى المتوكل فأدخل عليه و هو في مجلس الشرب، و الكأس في يده، فأعظمه، و أجلسه على جانبه و ناوله الكأس الذي في يده فقال: «و اللّه ما خامر لحمي و دمي قط فاعفني منه» فعافاه، و قال له أسمعني صوتا فقرأ: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ الآيات.
فقال: أنشدني شعرا أستحسنه فقال: إنّي لقليل الرواية للشعر فقال: لا بد من ذلك، فأنشده:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم # غلب الرجال فما أغنتهم القلل
و انزلوا بعد عزّ عن معاقلهم # و اسكنوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد موتهم # أين الأساور و التيجان و الحلل
أين الوجوه التي كانت منعمة # من دونها تضرب الأستار و الكلل
فأفصح القبر عنهم حين سائلهم # تلك الوجوه عليها الدود ينتقل
و طال ما أكلوا دهرا و ما شربوا # فأصبحوا بعد طول الأكل قد اكلوا
و طال ما عمّروا دورا لتحصنهم # ففارقوا الدور و الأهلين و انتقلوا
[١] هم أتراك ما وراء النهر كما هو غير خفي على المتضلع في التاريخ لا أتراك آذربايجان فإنّهم مع كونهم موالين لأهل البيت عليهم السلام لم يكن ألسنتهم في ذلك الزمان تركيا و إنّما صار لسان تلك النواحي تركيا في زمان السلاجقة، و هو حدود سنة (٦٠٠) .