الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ١٢٣
الحكماء عندهم، إنّ وجود العالم على هذا النظام خير محض، فإيجاده كمال تام، و الواجب جل و علا هو المبدأ الفياض، و الجواد المطلق، فلا ينفك ذاته عن هذا الخير المحض و الكمال التام، لأنّ انفكاكها عنه نقص، و هو منزه عن النقائص، و هذا هو الذي دعاهم إلى القوم بقدم العالم [١] : و المتكلمون يقولون إنّه يصح منه إيجاد العالم و تركه. و ليس الإيجاد لازما لذاته و هذا معنى القدرة و الاختيار عند المتكلمين؛ و أما كونه تعالى قادرا بمعنى إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل؛ فهو متفق عليه بين الحكماء و المتكلمين و لا نزاع فيه بين العقلاء، الا أنّ الحكماء ذهبوا إليك أنّ مشية الفعل الذي هو الفيض و الجود لازمة لذاته، كلزوم العلم و ساير الصفات الكمالية، فيستحيل الانفكاك بينهما، فهو قد شاء و فعل في الأزل، فمقدم الشرطية الأولى [٢] واجب صدقه، و مقدم الثانية ممتنع الصدق، و كلتا الشرطيتين صادقتان في حقه تعالى، و لما أثبت المتكلمون حدوث [٣] العالم، ظهر أنّه تعالى لم يشأ إيجاده في الأزل و أنّه يصح منه إيجاده و عدمه و ليس الانفكاك مستحيلا و أما أنّ ذاته تعالى لازمة للكمال فممنوع؛ و لكن كون كمالها هو هذا الكمال المخصوص دائما بحيث لا يقوم مقامه غيره ممنوع، إذ الانفراد بالوجود كما في الحديث «كان اللّه و لم يكن معه شيء» كمال أيضا، و عالم الأرواح أشرف بكثير من عالم الأشباح، الا انّ الحكمة اقتضت إيجاد هذا العالم الجسماني برهة ما، بسر خفي لا يهتدي أكثر العقول إليه، و لا ينسلق أكثر الأفهام للاطلاع عليه، الا من فتح اللّه سبحانه عن بصيرته و أضاءت مشكاة الهداية في سريرته و ذلك قليل بل أقل من القليل: فإنّ هذا قباء لم يخط على قد كل ذي قد و نتائج لم يفرق مقدماتها كل على ذي حد.
لبعضهم
لو ضرط الموسر في مجلس # قالوا له يرحمك اللّه
أو عطس المفلس في مجلس # سبّ و قالوا فيه ما ساه
فمضرط الموسر عرنينه # و معطس المعسر مفساه
***
هم رحلوا يوم الخميس عشية # فودعتهم لما استقلوا و وادعوا
و لما تولوا ولت النفس معهم # فقلت ارجعي قالت إلى أين أرجع
[١] زمانا لا ذاتا.
[٢] الشرطية الاولى هو قوله: ان شاء فعل و الثانية ان لم يشأ لم يفعل.
[٣] الحدوث مسلم الا أنّ الكلام في الحدوث الزماني لا الذاتي: فكل قائل بالصانع يقول: بالحدوث الذاتي و هذا البحث مذكور تفصيلا في كتب الحكمة فمن أراد فعليه إليها.