الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ٤١٤
فقلت لهم: هذا مأخوذ من قول ابي الطيب:
لو قلت للدنف الحزين فديته # مما به لا غرته بفدائه
و قول ابي الطيب ادق معنى، و ان كان بيت ابن الخياط ارق لفظا ثم اني وقفتهم على مواضع كثيرة من شعر ابن الخياط قد اخذها من شعر المتنبي، و سافرت الى الديار المصرية في سنة ست و تسعين، فوجدت اهلها يعجبون من بيت يعزونه الى شاعر من اليمن يقال له: عمارة، و كان حديث عهد بزماننا في آخر الدولة العلوية بمصر و ذلك البيت من قصيدة يمدح بها بعض خلفائها عند قدومه عليه من الحجاز.
فهل درى البيت اني بعد فرقته # ما سرت من حرم الا الى حرم
فقلت لهم هذا مأخوذ من قول ابي تمام، يمدح بعض الخلفاء في حجة حجها. و هو قوله:
يا من راى حرما يسري الى حرم # طوبى لمستلم يأتي و يلتزم
ثم قلت في نفسي باللّه العجب ليس ابو تمام و ابو الطيب من الشعراء الذين درست اشعارهم و لا هما ممن لا يعرف و الا اشتهر امره بل هما كما يقال: اشهر من الشمس و القمر و شعرهما دائر في ايدي الناس، فكيف خفى على اهل مصر و دمشق بيتا ابن الخياط و عمارة، الماخوذان من شعرهما و علمت حينئذ ان سبب ذلك عدم الحفظ للاشعار، و الافتتاح بالنظر في دواوينهما و لو نصبت نفسي للخوض في علم البيان و رمت ان اكون معدودا من علمائه، علمت ان هذه الدرجة لا تنال الا بنقل ما في الكتب الى الصدور، و الاكتفاء بالمحفوظ عن المسطور.
ليس بعلم ما حوى القمطر # ما العلم الا ما حواه الصدر
و لقد وقفت من الشعر على كل ديوان و مجموع، و انفذت شطرا من العمر في المحفوظ منه و المسموع، فالفيته بحرا لا يوقف على ساحله. و كيف ينتهي الى احصاء قول لم يحص اسماء قائله، فعند ذلك اقتصرت منه على ما يكثر فوائده، و يتشعب مقاصده، و لم اكن ممن اخذ بالتقليد و التسليم في اتباع من قصر نظره على الشعر القديم، اذ المراد من الشعر انما هو ابداع المعنى الشريف في اللفظ الجزل اللطيف، فمتى وجد ذلك فكل مكان خيمت و هو بابل، و قد اكتفيت من هذا بشعر ابي تمام حبيب بن اوس، و ابي عبادة الوليد، و ابي الطيب المتنبي، و هؤلاء الثلاثة ولاة الشعر و عزاه و مناته الذين ظهرت على ايديهم حسناته و مستحسناته و قد جرت اشعارهم غرابة المحدثين الى فصاحة القدماء و جمعت بين الامثال