الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ٦
القرب يصيح خارج الباب؛ و هذا هو الميسر لكل أحد، على أنّ موسى (ع) لم يكن على يقين من أنّه إن اختصر و سكت، فاز بالمخاطبة مرة اخرى، أ لا ترى كيف أجمل في آخر كلامه بقوله «و لي فيها مآرب اخرى» ، لرجاء أن يسأل عن تلك المآرب فيبسط الكلام مرة اخرى؛ و لا يبعد أن يكون (ع) قد فهم أنّ سؤال الحق تعالى له إنّما هو لمحض رفع الدهشة عنه، فأخذ يجري في كلامه مظهر ارتفاع الدهشة أو أنّ السؤال إنّما هو لتقريره على أنّها عصا، كمن يريد تعجب الحاضرين من قلب النحاس ذهبا، فيقول: ما هذا فيقول: نحاس فيخرجه لهم ذهبا، فأخذ موسى في ذكر خواص العصا لتأكيد الإقرار بأنّها عصا، فيكون بسط الكلام لهذا أيضا لا للاستلذاذ وحده، كما هو مشهور.
استماح [١] أعرابي خالد بن عبيد اللّه، و ألح في سؤاله، و أطنب في الإبرام، فقال خالد: أعطوه بدرة يضعها في [٢] حر امّه، فقال الأعرابي: و اخرى لاستها يا سيدي لئلا تبقى فارغة، فضحك و أمر له بها أيضا.
و أيضا في شرح النهج لكمال الدين ابن ميثم، إن قلت: كيف يجوز تجاوز الإنسان في تفسير القرآن المسموع و قد قال (ص) : من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار، و في النهي عن ذلك آثار كثيرة.
قلت: الجواب عنه من وجوه:
الأوّل-أنّه معارض بقوله (ص) : إنّ للقرآن ظهرا و بطنا و حدا و مطلعا، و بقول أمير المؤمنين عليّ (ع) : الا أن يؤتي اللّه عبدا فهما في القرآن، و لو لم يكن سوى الترجمة المنقولة، فما فائدة ذلك الفهم؟
الثاني-لو لم يكن غير المنقولة لاشترط أن يكون مسموعا من الرسول صلى اللّه عليه و آله، و ذلك مما يصادف الا في بعض القرآن، فأما ما يقوله ابن عباس و ابن مسعود و غيرهم، من أنفسهم فينبغي أن لا يقبل و يقال: هو تفسير بالرأي.
الثالث-أنّ الصحابة و المفسرين اختلفوا في تفسير بعض الآيات، و قالوا فيها أقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينها، و سماع ذلك من رسول اللّه (ص) محال، فكيف يكون الكل مسموعا؟
[١] استماح: طلب منه الجود و العطاء.
[٢] الحر: بالكسر. فرج المرأة.